هل يمكن تعليم الكمبيوتر النطق؟ (1) 

  ...........  بقلم خالص جلبي   ...........

كان للتجربة التي تقدم بها (لوك ستيل Luc Steels)  رئيس مخبر سوني لعلم الكمبيوتر في باريس وقع الصاعقة حينما حاول أن يعيد تقليد تطور اللغة عبر ملايين السنين بسرعة فلكية عبر الذكاء الصناعي فغذى الروبوتات بالكلام ليرى هل يمكن تشكيل اللغة صناعياً؟

ومما أتذكر من (عنبر) صاحب كتاب جدلية الحرف أنه حاول الوصول إلى اللغة وكيف نشأت فخرج بنظرية تقول أن الإنسان قلد أصوات الطبيعة، ويقول أن السر هو في أي كلمة هي في عقدة وسطها فكلمة رج وجر هما من نفس النسق وتعني الأضداد؛ فكل كلمة تحمل ضدها، وحين مضى في التفسير تعثر وهو متوقع، أيضا حصل نفس الشيء للشحرور الشامي حين كتب كتابه القرآن والكتاب ذهب فلعب بالكلمات مثل حاوي السيرك فأخرج من القبعات السوداء أرانب بيضاء، وهكذا فكل كلمة تعني كل شيء أو لاتعني شيئا. ولكن المحاولة العلمية بين أيدينا هي نسق جديد لفهم اللغة واستخدامها، وهكذا ذهب صاحبنا (لو ستيل) فشحن الكمبيوترات بحروف شتى وحرضها لتتبادل الحديث مع بعض باستخدام أي كلام (واو سي .. دو .. وا ..باكو). شحنها بواسطة أدوات بسيطة من الذكاء الصناعي مثل (منظم الصوت ـ الذاكرة ـ وبرنامج لمعرفة النماذج) ولكنه حرم الكمبيوترات من أي معلومات أساسية من علوم النحو والصرف والبلاغة وامتدادها،  وترك الآلات تهرج وتمرج وتتخاطب كما تشاء ليرى هل تتعلم اللغة لوحدها؟ وللغرابة فقد فعلت ذلك.

عرض ستيل نتائجه في مؤتمر حول تطور اللغة في جامعة هارفارد النخبوية، حسب رواية مجلة در شبيجل الألمانية (العدد43 \ 2002م) التي نقلت هذه الواقعة المثيرة، وعلق الأنثروبولوجي (كريس نايت Chris Knight) على عمله بقوله: "لقد صعق الحضور مثل القنبلة" وهذا يعني أن الكلام تم توليده بطريقة الديجتال؟ وما فعلته هذه الآلات الخرساء أنها تفاهمت على كلمات محددة بدأت بتردادها فيما بين بعضها البعض، كما بدأت بتشكيل قواعد نحوية خاصة بها. ومع الوقت بدأت الأجهزة بتبادل الكلام وبدأ قاموس التعامل يتضخم بدون توقف. وهذه الواقعة تذكرني بالأخ (محمد جللي) الذي عمل مدرسا للصم في منطقة القصيم من السعودية أن الصم إذا اجتمعوا من أي ملة ونحلة يبدأون في تشكيل لغة خاصة بهم بدون لغة منطوقة بل لغة الإشارات.

والشيء الذي قادت إليه التجربة المثيرة مع (علب الكمبيوتر) هذه أن اللغة كائن حي وحسب (لوك ستيل) فاللغة يمكن " أن تنظم نفسها اجتماعياً وتنتشر مثل وباء الفيروسات.

وما يحاول العلماء فك لغزه اليوم هو: كم يبلغ تعقيد عمل اللغة في الدماغ؟ بعد أن تبين أن هناك العديد من فرق أوكسترا اللغة تعمل. وبتعبير عالم الألسنيات (ديرك بيكرتون Derek Bickerton) فإن نشاط النورونات غريب فهي تكافح ضد بعض البعض بحيث تقفز الأفكار بدون توجيه منا، وما يقفز إلى السطح هو المسيطر وتختفي بقية الأفكار، أي أن الدماغ مثل موج المحيط التي تحركها الرياح وهي عوامل كثيرة يصعب ضبطها.وهذا يشرح القاعدة المادية للوعي واللاوعي.

وهذه الفكرة أعرفها تماما حيث تصعد إلى السطح أفكار فجائية بدون مقدمات وأتعجب من ظهورها وأظن أن هذا يحدث لأي واحد منا وفي كل لحظة فالدماغ كيان عجيب. وحين كنت أقرأ البارحة من سورة الكهف عن موسى وهو من أولي العزم من الرسل كيف التقى برجل مجهول ليتعلم منه دروسا في الحكمة كان أبرزها ثلاثا ولعلها قواعد الحياة الأساسية: تحمل الضرر الأصغر مقابل عدم الوقوع في ضرب أكبر منه، والثاني من الأنفع أن لايولد أناس بعينهم وهذا يحكي أثر الأفراد في صناعة التاريخ، والثالث القيام بالعمل الصالح حتى لقوم فاسدين؛ فلربما كان من بينهم أناس سيستفيدون ولو بعد حين: القصص الثلاث في ثقب سفينة كانت مستهدفة من حاكم ظالم فنجت مع الثقب، والثاني قتل طفل سينتهي بكارثة اجتماعية كما في البراميلي في سوريا وستالين في روسيا وبول بوت في كمبوديا، والثالث هو في إصلاح جدار لأن تحته كنز سوف يستفيد منه أولاد الميت بعد عشرات السنوات مع أن القرية طردتهم بدون ضيافة!

والرجل (لوك ستيل) قام بدراساته اللغوية لسنوات عديدة في جامعة هاواي على المهاجرين وتبين له أن الكبار يعجزون عن التفاهم في الوقت الذي يخترع الأطفال لغة تفاهم خاصة بهم. والسبب يعود في هذا حسب رأيه إلى قاعدة بيولوجية في تركيب الدماغ وأن أصل اللغة هو في التركيب العصبي للدماغ. ومثلاً  فقد كان المظنون أن منطقة (بروكا) و(فيرنيكيه) في الدماغ الأيسر ثابتة تشريحياً، والأولى هي لإنتاج الكلام وتوجد بجانب الفص الجداري المسئول عن الحركة. أما منطقة (فيرنيكيه) المختصة بتفسير وفهم الكلام المسموع فهي بجانب الفص الصدغي المسئول عن الحس. ولكن الأبحاث التي ظهرت في معالجة مرضى الصرع في المركز العالمي في بون في ألمانيا كشفت أن مراكز النطق والفهم تحتل خارطة تشمل نصف الدماغ الأيسر بكامله وهي من التنوع أكثر من وجوه البشر. كما أن بإمكانها الانتقال إلى نصف الدماغ الأيمن عند الأطفال في الإصابات اليسرى للدماغ.

 

حقوق النشر محفوظة ، خالص جلبي 2024  
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram