مقالات بقلم خالص جلبي

انطفاء العقل وأثره في تدهور الحضارة الإسلامية (4)
أن المريض عندما تبدأ الحرارة عنده في الارتفاع لايسقط طريح الفراش ، لإنه يكون عندها في مرحلة ( المعاوضة - COMPENSATION ) وليس في المرحلة ( السريرية - CLINICA ) أي لايحتاج لإدخال المستشفى للعلاج في السرير ، وهذا الذي حدث مع العالم الإسلامي وبالتدريج ، الذي أصيب  ( التجرثم الدموي - SEPTICEMIA ) مع معركة صفين ، ليبدأ بالنوافض ( SEIZURES ) المجنونة مع الخوارج ، والنزف ( BLEEDING ) العباسي ، والحرارة (  FEVER ) الأندلسية ، والغيبوبة (  COMA ) المملوكية ، والدخول في الصدمة SHOCK) ) والانهيار البونابرتي ، وأخيراً ( السرير ) الاستعماري مع نهاية القرن التاسع عشر ، ثم ( التشريح ) في قاعة العمليات ، حيث جرت عمليات البوسنة ( استئصال الأعضاء ) أو زرع الأعضاء ( زراعة إسرائيل ) ، ولا أدري هل انتهت العمليات ونقلنا إلى العناية المشددة _ اللهم إذا أُكرمنا بعناية مشددة ونحن الأيتام في مأدبة اللئام _ أم إلى ثلاجات الموتى ، لانستطيع أن نقول شيئاً ، لإننا لانعرف ماذا يجرى لنا ، ولانعرف ماذا يفعله سحرة الأمم المتحدة وقوى الاستكبار العالمية ، ولانملك العقل الخلدوني التحليلي  . إذا كان هذا التحليل الخطير صادقاً ، فإن العالم الإسلامي انحدر في الواقع إلى مادون السلبي في المخطط البياني ، أي تحت خط الصفر ، كما نرى ذلك في مخطط القلب الكهربي ، حيث ينحدر الخط إلى ماتحت الخط الأفقي ، الذي هو خط الصفر . إن المؤرخ الأمريكي باول كينيدي في كتابيه ( صعود وسقوط القوى العظمى ) و ( التحضير للقرن الواحد والعشرين ) يؤرخ لـ ( المعجزة الأوربية ) التي أمسكت بمقود التاريخ وبالتدريج في مدى القرون الفارطة ، كما أنه يرى أنه ليس لنا مكان في القرن الواحد والعشرين ، حسب الخانات التي يوزعها . ففي الوقت الذي كان الغرب ينهض كان العالم الإسلامي يغط في أحلام وردية على رقصات ( الدراويش ) ، وازدراد الأساطير ، وقصص ألف ليلة وليلة ، وأخبار الجن والعفاريت ، فإذا قيل للسلطان العثماني أن شيئاً جديداً يدب في الغرب فهل لك في الزيارة والتعرف على مايحدث كان يجيب : سلطان المسلمين لايدخل بلاد الكفار إلا فاتحاً !! ولكن بفعلته قصيرة النظر هذه لم يدرك ، أنه سيحول أولاده بعد فترة من ( فاتحي ) أوربا إلى ( متسولي ) أوربا ، وراجعوا قصة ( علي التركي - ALI ) تعطيكم الخبر اليقين ( 8 )  وهذه هي سنة التاريخ الصارمة . يتساءل باول كينيدي في كتابه القوى العظمى : (( لماذا قدر لتلك السلسلة التي لاتتوقف عن النمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي أن تحدث بين هذه الشعوب المتفوقة والضحلة التي تقطن الأجزاء الغربية من الكتلة الأرضية الآسيوية الأوربية التي تحولت إلى الريادة العسكرية والتجارية في الشؤون العالمية ؟ هذا سؤال شغل العلماء والمراقبين لقرون عديدة ... ففي سبيل فهم مسارالسياسة العالمية يجب تركيز الاهتمام على العناصر المادية طويلة المدى لاعلى الأهواء الشخصية والتقلبات التي تميز الدبلوماسية والسياسة )) ويضع كينيدي مجموعة من عناصر التفوق ، ولكن العنصر البارز هو السيطرة على البحار ، فبواسطته تم السيطرة على الثروة العالمية ، وتحويل قارات بأكملها إلى المسيحية ، وأما الانفجار العلمي فجاء كنتيجة جانبية لكل هذا التطور الجديد ، فقاد بالتالي إلى بداية تشكيل نظام عالمي جديد ، للغرب فيه اليد العليا ( 9 ) وهكذا ففي الوقت الذي كان نجم الغرب يتألق عبر الأفق ، كان شمس الحضارة الإسلامية يغلفها شفق المغيب ، وهذا  الليل كان ( منظومة الأفكار ) بالدرجة الأولى ، وتوقف العقل عن النبض كان بسبب مجموعة انتحارية من الأفكار ، ونظم معين من ( العقلية ) المتشكل . إذا كان ( طنين الذبابة ) عند أذن ديكارت أوحى له بـ ( الهندسة التحليلية ) ( 10 ) في مجالس ( مارين ميرسين ) في بورت رويال في باريس ، وسقوط ( التفاحة ) أوحت إلى نيوتن بقانون ( الجاذبية ) وأبريق الشاي الذي يغلي إلى دينيس ببان بفكرة ( قوة البخار ) ، وعضلات الضفدع إلى غالفاني بفكرة ( الكهرباء ) ، فإن العقل الإسلامي كان قد ختم على نفسه بالشمع الأحمر ، وأقفل عقله بأكثر من مفاتيح قارون على خزائنه ، وإن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة من الرجال ؟!!  ( 11 ) . وفي الوقت الذي كان الانكشارية يحاصرون فيينا كان نيوتن يكتب ( الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية - PHILOSOPHY  NATURALIS  PRINCIPIA (MATHIMATICA  وكان غاليلو يقوم بتجاربه على السرعات ، ويطُوَّر التلسكوب والبارومتر والمجهر على يد آخرين ، في الحين الذي كان العقل المسلم قد أصيب بحالة ( استعصاء تاريخية ) لم يتعافى منها حتى الآن ، وهي حالة الشلل العقلي الذي أدخله الليل الحضاري ، ليدخل في ( دارة معيبة ) يؤثر كل طرف على الآخر سلباً ، بين ( العطالة ) العقلية و( العجز ) الحضاري . إن الفوضى الاجتماعية في العالم الأسلامي هي ( فوضى عقلية ) قبل كل شيء ، وإن التنظيم الألماني المدهش هو عقل هيجل الممتد المنبسط على الأرض ، لذا فإن أعظم عمل يمكن أن ندشنه هو تفكييك العقلية الإسلامية ، لمعرفة الآليات المسيطرة عليها ، والتي أعطبتها العطالة . لذا كان الكاتب المغربي ( الجابري ) موفقاً للغاية عندما انتبه إلى هذا الحقل فكتب في ( بنية العقل العربي ) ( 12 ) ولعل أكبر نكبة مني بها العقل العربي هي مرض ( الآبائية ) ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ( 13 ) مع كل تكثيف القرآن على خبث هذا المرض العقلي . يذكر ابن كثير في تفسيره واقعةً ملفتةً للنظر عن صحابي أُصيب بالدهشة عندما أخبره ( l ) عن حدث مروع سوف يطال المجتمع الإسلامي فيتبخر منه ( العلم ) !! فلم يستطع الصحابي تصور ذلك ، طالما كان القرآن بين يدي الناس يقرؤه كل جيل ، وينقله إلى الآخر ، فأرشده ( l ) إلى أن هذا ممكن مع وجود القرآن ( 14 ) بسبب العقل المتعطل ، فلا يستفيد من أعظم الكنوز ،  وأن أعظم الكتب يمكن أن تتحول إلى مجرد أوراق ميتة على ظهر حمار ( كمثل الحمار يحمل أسفاراً ) حينما تفقد وظيفتها الإحيائية للعقل ( 15 ) وهذه الواقعة إن دلت على شيء ؛ فهو أن العقل حينما يتعطل لايستفيد من كل عجائب الأرض التي تحيط به ، ويمر على الآيات ( وهو عنها معرض ) لإن الإنسان عندما يخسر نفسه فلن يربح شيئاً . وأن ماحدث في يوم لأمة سوف يحدث لغيرها في يوم لاحق . فالقانون الألهي يطوق عباده جميعاً .         هوامش ومراجع : ( 8 )  كتبها رجل ألماني تزيَ بزي تركي ، وعمل لمدة ثلاث سنوات ، وهو يتظاهر أنه تركي في ألمانيا ورأى العجائب وحقائق القلوب فكتب كتابه هذا الذي حقق له ريعاً زاد عن عشرة مليون مارك !! ( 9 ) القوى العظمى - التغيرات الاقتصادية والصراع العسكري من 1500 حتى 2000 - باول كينيدي - مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية -ترجمة عبد الوهاب علوب - ص 38 و49 و50 ( 10 ) جاء في كتاب عندما تغير العالم (( ومن الطريف والمثير أن تحدث قصة بسيطة ذات يوم أثناء الاجتماعات التي كانت تعقد عند راهب فرانسيسكاني يدعى مارين ميرسين .. فقد سمع ديكارت طنين ذبابة تطير في المكان الذي كان يعقد فيه الاجتمناع ، أخذ ديكارت يفكر في موقع الذبابة فتصور موقعها لابد أن يكون تحت نقطة يتقاطع عندها في زوايا قائمة خطان ، أحدهما خارج من الاتجاه الجانبي والآخر من أسفل ، هذان المحوران يعطيان محورين إحداثيين لتحديد موقع الذبابة في أي وقت ، ويمكن قياس بعدهما باستخدام إحداثيين متعامدين وفي مستوى واحد ، وهذا النظام الجديد للأحداث الرياضي هو مانسميه اليوم ( الخط البياني ) - عالم المعرفة 185 - تأليف جيمس بيرك - ترجمة ليلى الجبالي - ص 201 ( 11 ) سورة القصص 76 ( 12 ) أصدر المفكر المغربي عابد الجابري تحت نقد العقل العربي جزئين بنية العقل العربي وتكوين العقل العربي - مركز دراسات الوحدة العربية ( 13 ) الزخرف 23 ( 14 ) الحديث : (( ذكر النبي ( l ) شيئاً فقال : وذاك عند ذهاب العلم . قلنا يارسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ فقال : ثكلتك أمك يابن لبيد ، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة . أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والانجيل ولاينتفعون مما فيهما بشيء )) ذكره ابن كثير في تفسير الآية 66 المائدة وصححه ( 15 ) تأمل الآية القرآنية ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً ) سورة الجمعة آية 5 .
اقرأ المزيد
انطفاء العقل وأثره في تدهور الحضارة الإسلامية (3)
وإذا كان الجناح الغربي للعالم الإسلامي قد سقط في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي ( 3 ) فإن كارثة أشد ترويعاً حلت بالعالم الإسلامي في جناحه الشرقي ، وبفارق أقل من عقد واحد من السنين !! فبعد ثماني سنوات فقط من سقوط اشبيلية ، التهمت المحرقة المغولية الرهيبة الزاحفة من الشرق ( بغداد ) رأس الخلافة الإسلامية عام ( 1256 ) م ، فاغتصبت لؤلؤة الشرق ، ودمرت المدينة ، وذبح مليونين من السكان ، وأحرقت المكتبات ، وضاعت العلوم والكنوز التي جمعها العالم الإسلامي في أربعة قرون على يد البرابرة في أربعين يوماً من الاستباحة الكاملة ؟! وبذلك سجل التاريخ سقوط ( جناحي ) العالم الإسلامي في منتصف القرن الثالث عشر للميلاد ، وسجل ابن خلدون هذه الظاهرة ، عندما قرر أن الخمول والانقباض قد حل بالمشرق كما حل بالمغرب (( وجاء للدول على حين هرمها ، وبلوغ الغاية من مداها ، فقلص من ظلالها ، وفل من حدها ، وأوهن من سلطانها وتداعت إلى التلاشي والاضمحلال أموالها ، وانتقض عمران الأرض بانتقاض البشر ، فخربت الأمصار والمصانع ، ودرست السبل والمعالم ، وخلت الديار والمنازل ، وضعفت الدول والقبائل ، وتبدل الساكن وكأني بالمشرق قد نزل به مثل مانزل بالمغرب ، لكن على نسبته ومقدار عمرانه ، وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض ، فبادر بالإجابة ، والله وارث الأرض ومن عليها ، وإذا تبدلت الأحوال جملة ؛ فكأنما تبدل الخلق من أصله ، وتحول العالم بأسره ، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث )) ( 4 ) مع هذا نريد أن نضع مخططاً بيانياً مفيداً لــ ( صيرورة ) الحضارة الإسلامية عبر التاريخ لنرى أين يصبح مكاننا على ضوء هذا المخطط ؟؟ يمكن أن نستعير تشبيه المفكر الجزائري ( مفاك بن نبي ) في المخطط البياني الذي رسمه للعام الإسلامي ( 5 )  ويعتبر أن نقطتين تسيطران على مجرى صيرورته : الأولى : ويعتبرها نقطة ( توقف ) وهي المتوافقة مع معركة ( صفين ) عام 34 هـ . والثانية : وهي بداية ( الانهيار ) وهي المتوافقة مع فترة ابن خلدون ، في نهاية القرن الرابع عشر الميلادي ، المتوافق مع نهاية القرن الثامن الهجري . في الأولى توقفت فيها الروح عن الصعود وسيطر فيها العقل ، فاستمر العالم الإسلامي في اندفاعه بزخم الوثبة الروحية الهائلة التي فجرها محمد بن عبد الله ( l ) في الجزيرة العربية ، وفي الثانية تحررت الغريزة من أسار الروح والعقل بالكلية فتدمر العالم الإسلامي ، لإن هناك بالعادة تناقض بين الروح والغريزة ، حتى في حديث البايولوجيا ، فسن اليأس عند المرأة -  ويصاب به الرجل بالمناسبة أيضاً مثل المرأة - يترافق بظاهرتين مزدوجتين : نمو عالم الروح ونضج العقل وانخفاض عتبة الجنس ، وإن كان البعض يحاول جاهداً مصارعة لغة البايولوجيا التي لاترحم ولاتفقه إلا بمفردات لغتها بالذات . يرى مالك بن نبي  أن معركة ( صفين ) لم تكن مجرد معركة عسكرية بسيطة حقق فيها طرف انتصاراً على طرف أو بالعكس ، بل كانت ( انعطافاً ) في مسيرة الحضارة الإسلامية ، و   ( انقلاباً ) لسلم القيم . ويشهد لانقلاب ( منظومة القيم ) هذه قول عقيل ابن ابي طالب : (( إن صلاتي خلف علي أقوم لديني وحياتي مع معاوية أقوم لحياتي )) في حين أن ( منظومة القيم ) كانت قبل ذلك أن الحياة كلها لله ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) ( 6 ) . فهنا نلاحظ حدوث ( فصام ) في شخصية الإنسان المسلم ( ظاهرة الشيزوفرينيا - SHIZOPHRENIA ) ( 7 ) التي لم يعافى منها حتى اليوم . وهذا الانشقلق المروع في عالم صفين أفرز ثلاث عوالم : عاَلم عقلاني ، وآخر انتهازي ، وثالث دوغمائي ، العقلاني يخسر معركة تقرير المصير بالتدريج ، والانتهازي يملك مقود التوجيه ، والدوغمائي يدمر نفسه ومن حوله بآليتي العنف والجمود العقلي . وسوف يكتب مصير العالم الإسلامي بعدها أن يتشرب العنف ، فيعجز عن حل مشكلة نقل السلطة السلمي بعد فترة الحكم الراشدي ، الذي اتفق العالم الإسلامي كله على منحه هذا اللقب ، فلم يعد ( رشد ) بعد الحكم الراشدي ، بل تحول التاريخ الإسلامي برمته إلى مسلسل لاينتهي من قنص السلطة الدموي ؛ ففقدَ العالم الإسلامي الرشد ، وفقد الأمانة والأمن الاجتماعي ، وتحول إلى مذهب الغدر . وسوف نرى نتائج ذلك ، في التحولات العقلية الكبرى بعد ذلك عندما توقفت الحضارة الإسلامية عن النبض والخفقان . إذن فكارثة التحلل في العالم الإسلامي لم تبدأ في طليطلة وسرقسطة ، في اشبيلية أو بغداد ، لم يدشن بهجوم خارجي ، بل بتحلل داخلي بالدرجة الأولى . بدأ المرض منذ معركة ( صفين ) فالانشقاق الرهيب صدَّع العالم الإسلامي من يومها ، وترك بصماته على العقلية الإسلامية حتى اليوم ، وكانت هذه الجرعة السمية في عروق ضمير المسلم مدعاة لاختلاجات ونوافض وتشنجات لم تنته حتى الآن ، فكل مظاهر المرض الإسلامي بدأت من تلك المعركة التي أصابت الضمير بالعطب ، فأتلفت العديد من الأجهزة النبيلة ، والخلايا الحية ، والأعضاء الاجتماعية الحيوية ، ففي رحم التاريخ ، وفي تلك الظروف المشبوهة كتبت معظم ثقافتنا ، التي يجب أن توضع تحت صرامة التحليل والعقل النقديين الآن ، فالكثير الكثير من الأفكار ( القاتلة ) و ( الميتة ) مازالت تفعل فعلها فينا وبدون شعور منا ، لإنها مختبئة تعمل في الظلام ومن خلال آليات ( اللاوعي ) الاجتماعية . هوامش ومراجع   (3 ) يراجع في هذا كتاب الإسلام الأمس والغد - لوي غارديه ترجمة علي المقلد - دار التنوير - ص 78 - تراجع فكرة نقطتا التحجر ( 4 ) مقدمة ابن خلدون ص 33 ( 5 ) شروط النهضة - مالك بن نبي - ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين - نشر دار الفكر - ص 99 ( 6 ) الأنعام 162 ( 7 ) يواجه الأطباء النفسانيون مرض الفصام ( الشيزوفرينيا ) في شخصية مرضاهم حيث تتفكك شخصية الإنسان ، فحسب تعريف لويس يمتاز بأمرين : أولاً التكسر في المقومات المكونة للعقل : ( الشخصية ) وهي الفكر والعاطفة والسلوك . وثانياً : فقدان التوازن ( الترنح ) في العمليات النفسية الداخلية ، جاء في مذكرات فتاة مصابة بالشيزوفرينيا مايلي : (( كان الجنون .. على نقيض الواقع .. حيث ساد حكم ضوء ظالم .. لم يترك مكاناً للظل ... فلاة شاسعة لاحدود لها .. هذا الفراغ الممتد .. إني خائفة .. إني في وحدة مرعبة ... )) راجع كتاب فصام العقل - الدكتور كمال علي - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - ص 24  
اقرأ المزيد
انطفاء العقل وأثره في تدهور الحضارة الإسلامية (2)
جاء في كتاب دول الطوائف مايلي : (( وهكذا سقطت الحاضرة الأندلسية الكبرى وخرجت من قبضة الإسلام إلى الأبد .. بعد أن حكمها الإسلام ثلاثمائة وسبعين عاماً . ومنذ ذلك الحين تغدو طليطلة حاضرة لمملكة قشتالة ، ويغدو قصرها منزلاً للبلاط القشتالي بعد أن كان منزلاً للولاة المسلمين . وقد كانت بمنعتها المأثورة ، وموقعها الفذ في منحنى نهر التاجه حصن الأندلس الشمالي وسدها المنيع الذي يرد عنها عادية النصرانية ، فجاء سقوطها ضربة شديدة لمنعة الأندلس وسلامتها . وانقلب ميزان القوى القديم ، فبدأت قوى الإسلام تفقد تفوقها في شبه الجزيرة ، بعد أن استطاعت أن تحافظ عليه زهاء أربعة قرون ، وأضحى تفوق القوى النصرانية أمراً لاشك فيه ، ومنذ ذلك الحين تدخل سياسة الاسترداد الاسبانية ( لا .. ري كونكيستا  LA  RECONQUISTA   ) في طور جديد قوي ، وتتقاطر الجيوش القشتالية لأول مرة منذ الفتح الإسلامي عبر نهر التاجه إلى أراضي الأندلس تحمل إليها أعلام الدمار والموت ، وتقتطع أشلاءها تباعاً في سلسلة لاتنقطع من الغزوات والحروب ))( 1 ) كان سقوط طليطلة عام 1085 م الموافق عام 478 هـ ، ويوافق أيضاً مرور 80 سنة على تفشي مرض ( دول الطوائف ) في الأندلس ، فبعد أن غابت الدولة الأموية عن الوجود عام 399 هـ ، بدأت عملية التفسخ الحضاري تأخذ مداها في الجسم الإسلامي ولمدة جيلين بالكامل ، وعاصر الإمام ابن حزم هذه الفترة وذكرها بسخط شديد ، وخلد الشعر العربي تلك المرحلة بالتعبير :     ( أوصاف مملكة في غير موضعها ..... كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد )  ولكن سقوط ( طليطلة ) بوجه خاص أدخل الفزع بشكل جدي إلى مفاصل ملوك الطوائف ، فهرعوا إلى الدولة الفتية الناشئة في المغرب ( دولة المرابطين )  مع علمهم أن هذا هو نهايتهم على كافة الأحوال سواء على يد ( الفونسو السادس ) أو على يد ( يوسف بن تاشفين ) فقال المعتمد بن العبَّاد قولته الشهيرة ( إن كان ولابد من أحدهما : فرعي الجمال أحب إليِّ من رعي الخنازير !!  ) . وكانت معركة ( الزلاَّقة ) على حدود ( البرتغال الحالية ) بين نهري ( جريرو ) و ( جبورة ) من جانب ونهر ( الوادي ) من الأسفل في سهل الزلاَّقة الذي يأخذ اسم ( ساكراخاس ) اليوم ، وكان ذلك يوم الجمعة 12 رجب سنة 479 هـ الموافق 23 اكتوبر تشرين الأول سنة 1086 م أي بعد عام واحد من سقوط طليطلة المفجع . وفيها تم تمزيق الجيش الأسباني بمجموعة من تكتيكات حربية استخدمها العجوز المحنك والبالغ من العمر ثمانون عاماً ( بن تاشفين ) . إلا أن هذا النصر في الواقع لم يكن أكثر من كابح مؤقت لمعارك الاسترداد الاسبانية ، فالمرض في المجتمع الإسلامي كان أفظع من أن يعالج بمعركة هنا وهناك ، لإن العفن كان قد وصل إلى مخ العظام ، وهذا الذي أدركه ابن تاشفين الذي حام حول مدينة طليطلة التي كانت هدفاً استراتيجياً لحملته التي جاء بها إلى الجزيرة ، فأدرك استحالة استردادها ، واكتفى بمسح دول الطوائف الهزيلة ، وبناء دولة مركزية مرتبطة بدولة المرابطين . كانت معركة الزلاقة ذات حدين ، فهي فلت حد الأسبان ، ولكنها أعلنت بنفس الوقت أن الأندلس انتهت منذ ذلك اليوم ككيان مستقل . وأصبحت الأندلس منذ ذلك الوقت عالة على المغرب في حمايتها والحفاظ على وجودها ، لذا لاغرابة أن كان الملوك الموحدين ( دولة الموحدين جاءت بعد دولة المرابطين ) يسمونها بـ ( اليتيمة ) كما هي اليتيمة الجديدة  اليوم ( البوسنة )؟! . هذه الضربة عام 1085 م كانت حلقة في سلسلة ، لابد من معرفة ماقبلها وما بعدها ، حتى يمكن فهم الواقع المريض الذي يعيش فيه العالم الإسلامي ، فبين معركة الزلاَّقة عام 479 هـ الموافق 1086 م ومعركة العقاب عام 1212 م الموافق 609 هـ ( 126 ) عاماً فقط ، فمعركة ( الزلاَّقة ) التي فرملت الزحف الأسباني ، انتهت بمعركة ( العقاب ) التي فتحت الباب لسقوط الأندلس النهائي ( 2 )  الذي سيختم مع نهاية القرن الخامس عشر للميلاد ( 1492 م ) ومن الجدير بالذكر أن معركة العقاب جاءت بعد 14 عاماً من موت الفيلسوف ( ابن رشد ) الذي نفي في السبعين من عمره ليعيش في قرية الليسانة اليهودية منبوذاً محطم القلب ، فعوقب المجتمع الأندلسي برمته فمسحت مدينة قرطبة مدينة ابن رشد من خارطة العالم الإسلامي بعد معركة العقاب بـــ ( 24 ) سنة فقط ( 1236 م ) !!  وكانت مدينة ( سرقسطة - ZARAGOZA ) قد سقطت قبل ذلك عام 1141 م ، ثم تتالى مسلسل السقوط ، فسقطت ( بالنثيا -  BALENCIA ) عام 1238 م وتوج الانهيار بسقوط مدينة المعتمد بن عباد عام 1248 م ( اشبيلية - SEVIA )  وهكذا سقط الجناح الغربي للعالم الإسلامي ، وانزوى المسلمون في الزاوية الجنوبية حول ( غرناطة - GRANADA  ) ينتظرون مصيرهم في كف القدر ، حسب الوضع الأسباني وكيف يتطور ، ذلك أن المجتمع الأندلسي كان قد فقد منذ سقوط طليطلة القدرة على تقرير المصير .     هوامش ومراجع : ( 1 ) دول الطوائف منذ قيامها حتى الفتح المرابطي _ تأيف محمد عبد الله عنان _ مكتبة الخانجي بالقاهرة _ ص 115 - 116 ( 2 ) هزم فيها الموحدون راجع نفس لمصدر السابق جزء عهد الموحدون  
اقرأ المزيد
انطفاء العقل وأثره في تدهور الحضارة الإسلامية (1)
إذا كان الواقع البشري هو محصلة طبيعية للأفكار السائدة والنظام العقلي المسيطر ، فإن وضع العالم الإسلامي غير السار اليوم يعود إلى النظام المعرفي ( الابستمولوجيا ) والعقلية التي تحرس شجرة المعرفة هذه ، وهذا المرض الثقافي ليس ابن اليوم بل هو محصلة تراكمية عبر القرون ، الذي أورث العقلية مجموعة من الأمراض المزمنة التي أصابته بالكساح ، لعل أهمها تكريس العقل باتجاه ( الوظيفة النقلية ) . وترتب على حرمان العقل من الطاقة النقدية التحريرية ثلاث نتائج هامة :   1 - الأولى : تحول العقل إلى ( حاوي فوضوي ) لــ ( كم ) من المعلومات بدلاً عن تشكيل عقلية ذات نظام ( SYSTEM ) وتركيب ( STRUCTURE ) معرفي ، فنمت ملكة الحفظ وتوقفت الوظيفة ( التحليلية التركيبيبة ) والنقدية للعقل ،  بل نسف أي مشروع لبناء معرفي مستقبلي  . 2 - الثانية : بحرمان العقل من وظيفة المراجعة ؛ من خلال قتل ملكة النقد الذاتي أمكن تكريس الأخطاء وتراكمها بل وزحزحتها باتجاه الآخرين ؛ بإحياء آلية تبرئة الذات ( فكرة كبش الفداء ) وبذلك توقفت النفس عن العمل تماماً في الحقل المفيد ، فتوقفت عن تصحيح الذات ، فوقفَ النمو ، فجمدت الحياة . وبتوقف العقل توقفت الحضارة الإسلامية عن النبض الحي في التاريخ . 3 - الثالثة : ظن الاستغناء بالنص عن الواقع قاد إلى كارثتين : انتفاخ الذات المرضي بأن المسلمين خارج القانون الآلهي ، فلا ينطبق عليهم ماانطبق على غيرهم ، وعدم الاستفادة من تجربة التاريخ الضخمة التراكمية ( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل : فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ؟!! ) يعاني العالم الإسلامي اليوم من مشكلة ( تحدي ) ثلاثية الأبعاد ، وكل تحدي يعتبر مشكلة عويصة بحد ذاتها ، وكأنه لاأمل في حلها ، بحيث يصبح مشروع النهضة مشكوكاً فيه . الأولى : عظمة الماضي وهزال الحاضر ، فالمسلمون أبناء حضارة ضخمة ، وكان دورهم في التاريخ قيادي ورائد ، واليوم يمثلون ليس مركز العالم ، بل دول الأطراف العاجزة عن حل مشاكلها ، فالألم عميق بين الهدف والواقع ، بين الإمكانيات والإرادات ، وما يحدث في العالم الإسلامي اليوم دليل على عجز مروع ، وشلل مخيف في الجسم الإسلامي الممتد من طنجة حتى جاكرتا . والثانية : هي في الفجوة المعرفية التراكمية بين قمة العالم الحالي وبين الواقع ( المعرفي ) في العالم الإسلامي ، فالعالم الإسلامي لم يدخل المعاصرة تماماً ويتمكن من أسرارها ، بل هو في حالة ( فقد توازن ) مع إعصار الحداثة الذي دخل بيته ، وأدخل معه الفوضى إلى ترتيب بيته السابق ، كما نسف كل الطمأنينة السابقة التي كان يحياها . والثالثة : إننا عقلياً ( دون مستوى القرن الثالث الهجري ) ففي الوقت الذي كان العقل المسلم فيه يتألق في حلقات المسجد العلمية ، ويدرس آخر الفكر السائد في عصره ، ويصدر نتاجه العلمي ، فنحن لانستطيع حتى بناء مناخ عقلي يشابه ذلك الذي ترعرع في تلك القرون . فهم بنوا المعاصرة وعاشوها ونحن تغزونا المعاصرة وتقتحم علينا عقولنا . فعجزنا ثلاثي المستوى : بين مانريده ولانملك إمكانياته ، بين الغياب عن التاريخ وماحدث فيه ، وبين فقدان الذاكرة التاريخية كالمصدوم الذي نسى شخصيته فلايعرف من هو ؟ فنحن لانعرف حتى ذاتنا !!    والسؤال كيف حدث هذا ولماذا حدث وفي أي ظرف تاريخي ؟؟   لايمكن معرفة واقع العالم الإسلامي المريض مالم يفهم ضمن قانون ( الصيرورة التاريخية ) فالسقوط والتمزق الحالي هو ثمرة لأفكار تشكلت عبر القرون ، ولذا لابد أولاً من الغوص في بطن التاريخ لملاحقة الأحداث وتتابعها وترابطها وتأثيرها في بعضها البعض ، فلايمكن فهم الحدث لوحده معلقاً في الهواء . فعلينا إذن أن نتتبع المسارات التاريخية لفهم أفضلَ لواقع الكارثة في العالم الإسلامي اليوم . عندما كنت في زيارة لمدينة طليطلة ( TOLIDO ) في اسبانيا كنت مهتما برؤية نهر ( التاجه ) والسبب في ذلك هو الانطباع الذي أخذته من كتب التاريخ عن مناعة البلدة ، وأثناء الجولة السياحية تأملت المنحدر الجرانيتي العميق للنهر ، والذي يطوق البلد وكأنه ( التاج ) الذي أخذ النهر منه اسمه . كما تأملت الحصون الثلاثية المرتفعة التي شكلت مناعة خاصة للبلد ، كلفت الاسبان يومها حصاراً مديداً ، قبل أن تسقط ( العاصمة التقليدية ) لشبه الجزيرة الايبرية عام 1085 بأيديهم ، ولكن مع سقوط طليطلة حصل تطور خطير في مصير الاندلس برمته ، وهو انكسار التوازن الاستراتيجي في شبه الجزيرة الايبرية لحساب الاسبان ضد المسلمين ، الذين لم يدركوا يومها تطور  المنحنى البياني التاريخي ضدهم ، لإن خلافاتهم الداخلية وصراع العروش الهزيل أنساهم حتى هدير الطوفان المزمجر حولهم .
اقرأ المزيد
سلسلة الأحاديث الحيوية ـ الجزء الخامس 

(15) حديث الفسيلة

إذا قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها (صحيح) هل يعقل أن يقوم الإنسان بغرس فسيلة أي نبتة ضعيفة كي تصبح شجرة قوية تحتاج إلى سنوات من الكدح والعناية والسقي ومدها بالأسمدة وحمايتها من الحشرات والأمراض؟ هل يقوم بهذا عاقل؟ الجواب إن الحديث يقلب المفاهيم ويقول هذا الأمر الذي لايقدم عليه عاقل هو من وظيفة الإنسان المسلم فإذا قامت الساعة وانتهى الزمان وحشر الناس فهم يوزعون وبيد المسلم فسيلة ضعيفة فليغرسها! السؤال كيف نفهم هذا اللامعقول وإدخاله إلى المعقول؟ الجواب أن أجراس قيام الساعة قد لاتكون حقيقة بل خيالا. نرى ذلك في بعض الآيات مثل فيم أنت من ذكراها؟ إذن مسؤولية قيام الساعة ليست بيدنا ولا عندنا، ولكن مابيدنا هذه الفسيلة فلنغرسها. هي توجيه الانتباه إلى وظيفة الإنسان في الأرض أن يزرع والباقي سيأتي مع الزمن. نحن هنا أمام مبدأ الفعالية وليس الاستسلام أو الخوف أو الرضوخ أو الانتظار.  

(16)  حديث القصعة

ويقصد بها المائدة العامرة وقد اجتمع عليها الضيوف يتمتعون بالطعام فمن هم؟ ومانوع الطعام؟ سؤال هام من علم التغذية وكيف تنتهي الأمة حينما يتكالب عليها الأعداء فتتحول إلى مأدبة طعام يتقاسمها الطالبون، وهذا ينفد على القانون الذي وضعه ابن خلدون عن زوال الدول وأن عمر الدولة في المتوسط ثلاث أجيال فإذا انقضى الوقت ولم تنهار فلفقد الطالب، وهي نفس الفكرة التي تقدم بها (أوسفالد شبنجلر Oswald Spengler) المؤرخ والفيلسوف الألماني في كتابه تدهور الغرب (Der Untergang des Abendlandes) عن وضع روما يدها على مقدرات شعوب الشرق الأوسط بفرق رديئة التسليح والقيادة وأن السبب يعود في هذا إلى ما سماه (فقد قدرة تقرير المصير) باللغة الألمانية (Selbstbestimmung). يخبرنا الحديث بتحول خطير يطال الأمم، ونحن لانشكل خرقا للقانون فسوف ينطبق علينا ماجرى للأمم. ويوجد حديث آخر يدعم هذا الحديث. ولكن دعنا في الأول نذكر حديث القصعة. وهي مائدة الطعام. يقول الحديث وكأن الزمن اقترب حين يتحول المسلمون إلى مائدة عامرة يدعو لها الضيوف ليتناولوا الطعام ساخنا. وماهو الطعام الساخن اللذيذ؟ نحن!

حديث القصعة :

عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل : أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟ قال : "بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن في قلوبكم الوهن" فقال قائل : يارسول الله وما الوهن؟ قال : "حب الدنيا وكراهية الموت"  (سنن أبو داوود وصححه الألباني) نلاحظ هنا أن سر التحول في الأمة هو نفسي حين يقول حين تموت الأمة فلا يهابها الأخرون بل يجدونها فرصة يقضمونها كما في أطايب الطعام. حدث هذا مع الفتوحات الاستعمارية وانهيار الأمة. وهذا التحول ليس فينا فقط بل هو قانون الانتروبيا في كل الوجود فيتشقق البناء وتنهار البنايات وينحدر الجسم إلى الشيخوخة والكائنات إلى الموت والدول إلى الانقراض والحضارات إلى نهاية. ومنه جاء في كتاب فيزياء المستحيل لمشيوكاكو أن هذا القدر لاينجو منه أحد وأن ثمة عشر مستويات في الوجود يمكن أن نخترقها ونكسر الاستحالة فيها وليست استحالة إلا أمران: آلات دائمة العمل والاستبصار رؤية المستقبل. الملفت للنظر في الحديث أنها رؤية مستقبلية عامة لأنها تخضع لقانون مشترك. ولذا جاء الحديث الداعم لهذا التوجه أنه لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخل أحدهم جحر ضب لدخلتموه قالوا آليهود والنصارى؟ قال فمن؟ أي أننا سينطبق علينا ما انطبق على أهل الكتاب في التاريخ. فهذه الدورة التاريخية أثارت انتباهي ووضعت لها مقالة تفصيلية أضعها في نهاية البحث.       (17) حديث الرحمة فيمن قتل 99 نفسا وكيف أن مجرما أراد التوبة فتوجه إلى راهب جاهل فقتل الراهب فاكتمل نصاب القتلى بمائة نفس حتى وصل إلى راهب واعي دله على تغيير البيئة فمات في الطريق فأخذته ملائكة الرحمة مع كل جرائمه. في الواقع ثمة نصوص تفيض بالرحمة يكفينا الاية من سورة الأنعام : كتب ربكم على نفسه الرحمة وهذا يعني أن هذه الرحمة هي التي ستعمنا في النهاية ومنه كان رسول الرحمة ص يقول لن يدخل الجنة أحد بعمله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته. معنى هذه الكلام أننا نستعد بالعمل الصالح كي نكون مهيئين لنيل الرحمة من رب رحمان رحيم ومنه نفهم تكرار مفهوم الرحمة في مطلع كل سورة. ومنه اعتمدت المسيحية كلمة المحبة. ومن الحديث نفهم أثر الوسط في الجريمة مما دفع دول الاتحاد الأوربي إلى إلغاء حكم الإعدام على أساس أنها نتاج سوء المجتمعات. والآن اليكم الحديث: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمَّل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فَدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومَنْ يَحُولُ بينه وبين التوبة؟ انْطَلِقْ إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله -تعالى- فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَفَ الطريقَ أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا، مُقْبِلا بقلبه إلى الله -تعالى-، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم -أي حكمًا- فقال: قِيسُوا ما بين الأرضين فإلى أَيَّتِهِمَا كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة». وفي رواية في الصحيح: «فكان إلى القرية الصالحة أقرب بشبر فجعل من أهلها». وفي رواية في الصحيح: «فأوحى الله -تعالى- إلى هذه أن تَبَاعَدِي، وإلى هذه أن تَقَرَّبِي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغُفِرَ له». وفي رواية: «فَنَأَى بصدره نحوها».
اقرأ المزيد
الأحاديث الحيوية ـ الجزء الرابع  

(13) حديث الفتن وتناوب الشر والخير في سلسلة تاريخية

جاء في حديث حذيفة الموجود في الجزء الثاني من التجريد الصريح لأحاديث البخاري في الصفحة 56 حديثا رائعا، في وصف أغرب من الخيال عن تعاقب الخير والشر؟ وهو حديث ذهبي في قمة الصحة، وهذا الحديث هو واحد من مائة حديث كما نرى أحاول جمعها وشرحها وطبعها في كتاب مستقل بعنوان (الأحاديث الحيوية) وسوف أحاول في كل مرة أن آتي بحديث جميل في موضوع لطيف، نبتعد فيه عن اللاهوت وننزل إلى الناسوت في نوع من المطابقة بين الحديث وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ وعلم البيولوجيا والصحة والطب. وفي هذه الأيام ونحن نسمع بحزن فتن شتى في أكثر من قطر يجعلنا نقف مع هذا الحديث العجيب متأملين مسبحين داعين الله أن لانكون ممن يفتنون؛ فقد جاء في حديث حذيفة أن الناس كانوا يسالون رسول الله ص عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني؟ فقلت يارسول الله لقد كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم؟ قلت فهل بعد هذا الشر من خير؟ قال : نعم وفيه دخن؟ قلت يارسول الله ومادخنه؟ قال قوم يهدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر؟ قلت فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليه قذفوها فيها؟ قلت يارسول الله فصفهم لنا؟ قال هم من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا! قلت فما تامرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم! قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو ان تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك!!  

(14) اللقاء السياسي المثير بين هرقل وأبو سفيان

  حديث البخاري عن الأسئلة التي وجهها هرقل لمجموعة أبي سفيان، وبتأمل المناقشة نرى هرقل سياسيا حصيفا يطرح عشرة أسئلة كان أبو سفيان يتمنى ـ كما ورد في الحديث ـ أن يغير فيها فيكذب لولا قومه الذين أمر هرقل بوضعهم في ظهره، وقال إن كذب فكذبوه! جاء في الأسئلة هل كان في نسبه ملوكا؟ من يتبعه؟ هل يرتد أحد سخطة لدينه بعد إيمان؟ هل عهدتم عليه كذبا؟ هل يغدر؟ وهو كما نرى حديث في السياسة. وفي مراجعة صحيح البخاري نكتشف كنوزا من التراث، وأنا شخصيا اعتمدت كتابا قويا في الأحاديث حتى اسكبها في مشروعي المسمى الأحاديث الحيوية لربطها بالعصر ودلالتها الحيوية وحاولت في مساجد درست فيها أو خطبت فيها أن أورد جملة من الأحاديث الحيوية بعضها قد يكون ضعيفا ولكنني وضعت فلسفة في فهم الحديث خلاصتها قوته الموضوعية أهم من السند، فقد يكون ثمة حديث قوي السند ولكن فيه من الخلل مايجب التريث في أخذه، من نموذج يقطع الصلاة ثلاث المرأة والحمار والكلب الأسود! وهو حديث صحيح من ناحية السند ولكنه يعرج من ناحية الفهم! وزيادة في التمييز والعنصرية يسأله الصحابي ولماذا كان الكلب الأسود؟ ليأتيه الجواب إنه شيطان، وهكذا أصبح مكان المرأة بين الحمير والكلاب والشياطين. ومن خلال تعمقي واطلاعي عثرت في باب التهجد في نفس صحيح البخاري حديث عائشة ر حين تخاطب أبو هريرة بقولها ويلك وضعتنا بين الحمير والكلاب؛ وهكذا فعلينا وضع منهج لتقبل الأحاديث أهمها عدم تعارضه مع القرآن كما في حديث قتل المرتد من بدل دينه فاقتلوه وقد وضعت أنا شخصيا مقالة تتصور أن فريقا ذهب إلى اليابان من أجل نشر الإسلام والنتيجة المؤسفة (الخايبة) التي خرجوا بها، حين عجزوا عن وضع حرية الرأي الموجودة في القرآن مقابل أحاديث مشبوهة من هذا النوع؛ لذلك رأيت أن قوة الحديث تأتي من قوته الموضوعية أكثر من السند، وبالمناسبة فإن علماءنا قديما انتهبوا لهذا فقالوا أن الحديث يجب أن يبنى على قاعدتين من الرواية والدراية وهو ما أشرت إليه بكلماتي الجديدة. بكل أسف علم الحديث رواية تضخم ولكن علم الدراية لم ينمو بل لم يظهر. مما دعا مثل ابن خلدون القديم أن يشير إلى قاعدة سداسية في تقبل الآراء، ويمكن مراجعة مقدمة ابن خلدون في هذا الصدد. حين أشار إلى تورط كثير من أئمة النقل والتفسير إلى عدم الانتباه إلى هذه القواعد الذهبية؛ ذلك أن الإخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ولا قيس الغائب بالشاهد والذاهب بالحاضر فلا يأمن فيها الإنسان من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق. وفي الحديث الذي بين أيدينا عن مقابلة خطيرة تمت بين أبي سفيان وهرقل نلاحظ الجدل السياسي بين رجلين من الزعامات وأسئلة في غاية الدقة أضعها بين يدي القاريء ولعلي أن أضع لها حلقة في قناتي رحلتي في عالم الطب والفكر. المهم ليقرأها القاريء الآن على هذه النية، وفي حديث آخر عن قتل المرتد سوف أورد مقالتي حول المؤتمر الذي حدث في اليابان (وهو تخيلي) لحل إشكالية خطيرة حول حرية الرأي خروجا ودخولا وهو استعصاء احتارت فيه الحكومات بل حتى القمم الإسلامية، كما حصل مع من قتل فرج فودة في مصر على يد خوارج جدد؛ فكان تعليق الغزالي المشهور المصري على الواقعة وعمل الشباب الطائش إنه افتئات على حق الدولة وكأننا نفهم منه أن من حق الدولة أن تقتله لأنه ارتد؟ وهو خطأ كبير منه على شهرة الرجل الواسعة، وهذا ليس عيبا فيه بل فينا إن لم نخطئه. الآن إلى الحديث ثم مقالتي عن قتل المرتد. طرح هرقل عشرة أسئلة على أبي سفيان ثم قام بتحليلها ويمكن مراجعة كامل الحديث في كتاب الشنقيطي زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وهو كتاب جدير بالاقتناء وضع مرقما ومشروحا بشكل مبسط.
اقرأ المزيد
سلسلة الاحاديث الحيوية ـ الجزء الثالث  الحديث رقم 11 و 12  

(11) فلا يلومن إلا نفسه

في مواجهة الأخطاء أو الكزارث يجب تأسيس فلسفة المسؤولية أن يعود الإنسان نفسه أن لايلوم أحدا، مع كامل الاعتقاد أن الآخر قد يكون مشتركا في المصيبة ولكن على المرء التعود أن يحفر في الأرض الصحيحة في حديث ظلم النفس الذي رواه أبو مسلم الخولاني عن ظلم النفس أيضا في عشر فقرات وكأنها اللحن الكوني؛ ياعبادي كلكم عار إلا من كسوته .. ياعبادي.. وهكذا وفي النهاية إنما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه؟؟ ومن الغريب أن الغالبية من المسلمين عندها استعداد أن تلوم أي جهة دون مراجعة نفسها مرة واحدة. كان الخولاني إذا تلا الحديث جثا على ركبتيه. وهذا يعني أن علينا تجنيد هذه الأحاديث من أجل تصحيح المفاهيم، فليس مثل القرآن والحديث هاديا.

(12) أسرار العشرة الزوجية

رواية عائشة ر عن اجتماع نسوي مثير يضم 11 امرأة روين الحياة السرية لأزواجهن. وهذا يعطي فكرة عن العشرة الزوجية ومسؤوليتها. حديث أم زرع يعتبر هذا الحديث من ينابيع الأدب وتأريخ لحقبة كما يقوم بتشريح خاص لأحاديث النساء الداخلية الخصوصية ورأي كل امرأة في زوجها كما يروى أوضاع البيوت ونوعيات الأزواج وأنا شخصيا استمتعت جدا به حينما حفظته واعتبره مع مجموعة أحاديث أخرى من ينابيع الفكر الجميلة. وسوف أحاول فك معنى الكلمات الصعبة التي جاءت كما وردت في كتاب (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم ) للشنقيطي . تروي السيدة عائشة (ر) قصة 11 امرأة روت كل واحدة وضعها مع زوجها فقالت: (جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً) ويبدو أن هناك علاقة حميمة بين تلك الزوجات (قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث (مهزول) على رأس جبل لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى) ويظهر الذم فيه فلا فائدة منه  ولم تكن الأولى التي ذمت فقد أكملت الثانية ففضلت أن لا تنشر فضائحه (قالت الثانية: زوجي لا أبث خبره إني أخاف أن لا أذره إن أذكره أذكر عجره وبجره(أي عيوبه). أما الثالثة فيبدو أنها تتحمل على مضض زوج لا يحتمل (قالت الثالثة: زوجي العشنق (أي الطويل المذموم سيء الخلق) إن أنطق أطلق وإن اسكت أعلق؟) ولكن حظ الجميع ليس كذلك حيث يبدو على الرابعة أن عندها زوج عجيب لا تمل صحبته (قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة) وأنا أعرف تهامة من جنوب المملكة وهي عند الساحل تماما كما ذكرتها المرأة ولكن ليس في الصيف وفعلاً فإن النوم على شاطيء البحر هناك فيه متعة وارتخاء وهدوء لا يعرفه إلا من ذاقه ويبدو أن المرأة كانت محظوظة بهذا الرجل. ولكن الخامسة عندها زوج من نوع بين بين (قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد وإن خرج أسد ولا يسأل عما عهد) والرجل الذي لا يسأل المرأة كثيرا في أمور المنزل يبقى مريحاً نسبياً. إنها مع رجل ملتفت لأعماله وتجاراته وقد ترك لها حرية التصرف في البيت وهو لا بأس به. أما السادسة فعندها زوج يحمل من الصفات غير المشجعة سواء في صوت الفم أو الالتفات إلى زوجته ليضمها أحياناً ونحن هنا نرى شيئا من الصراحة التي لا نتجرأ في الخوض فيها حسب ثقافتنا الإسلامية ولكن عائشة (ر) تنقل لنا هذه الصور بأمانة ( قالت السادسة: زوجي إن أكل لف وإن شرب اشتف وإن اضطجع التف ولا يولج الكف ليعلم البث). أما السابعة فقد حظيت بزوج هو كارثة فهو عيي النطق ومزعج ويستخدم يديه في الضرب فيكسر الرأس أو الفك (قالت السابعة: زوجي غياياء (الخيبة) عياياء (ربما عاجز جنسيا) طباقاء (أحمق) كل داء له داء شجك أو فكك أو جمع كلاً لك) يبدو أن هذا الزوج كان شرسا جدا وفاشل جنسيا. أما الثامنة فقد وصفته على نحو معكوس فهو طيب الرائحة ناعم الملمس (قالت الثامنة: زوجي المس مس أرنب والريح ريح زرنب) أما التاسعة فقد وصفت زوجها بالمركز الاجتماعي المرموق والكرم (قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد (عمود الخيمة) طويل النجاد (السيف) عظيم الرماد (من كثرة الضيافة) قريب البيت من الناد). كذلك وصفت العاشرة زوجها بالكرم (قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك؟ مالك خير من ذلك له إبل كثيرات المبارك قليلات المسارح وإذا سمعن المزهر (ربما الدف أو عود الغناء فرحا بالضيوف) أيقن أنهن هوالك) وفي النهاية يأتي وصف الحادية عشر لزوجها وهو بيت القصيد حيث تصف أم زرع زوجها على هذه الشاكلة في وصف مطول ( أناس من حلي أذني وملأ من شحم عضدي .. عنده أقول فلا أقبح وأرقد فأتصبح وأشرب فأتفنح .. أم أبي زرع عكومها رداح وبيتها فساح .. بنت أبي زرع طوع أبيها وطوع أمها وملء كسائها وغيظ جارتها). وكانت عائشة ر تقول أن الرسول ص كان يقول لها كنت لك كأبي زرع لأم زرع. ويبدو أن صفات الرجل الكريم الحليم المثالي كان الناس يتناقلونها يومها في هذه القصة وكان حظ عائشة هو هذا الرجل عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين.  
اقرأ المزيد
مشروع الأحاديث الحيوية الجزء الأول
هذا المشروع حلم عندي منذ أن اشتغلت على كتاب (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم) حيث حفظت منه مئات الأحاديث، كذلك حينما عملت على صحيح البخاري. أما علم الحديث فقد استفدت من الشيخ (عبد الرزاق الحلبي) إمام جامع القطط فأخذت هذه العلم أيضا على يديه رحمه الله رحمة واسعة.   يشابه كتابي هذا ما كتبه النووي القديم في الأربعين حديثا، وقد اشتغلنا عليه عندما كنا شبابا وحفظنا ما جاء فيه من أحاديث، والنووي بالمناسبة جاء اسمه من قرية )نوى( من منطقة حوران السورية، وحين أتذكر الأحاديث التي جاءت في كتاب النووي يقفز إلى الذاكرة عندي حديث النية، وأن لكل امريء ما نوى، وبنى الفقهاء على هذا الحديث أشياء كثيرة. والمهم فقد مضت سنة الأولين، وجهده مشكور، ولكن لابد من وضع مشروع موازي يشبهه من جهة ويختلف عنه من وجوه، ونحن نعيش عالم الديجتال. وأذكر أنني كتبت في هذا الموضوع فجاءني تعليق حاد جدا، ولكنني تذوقته مع حرارته مثل التوابل في الطعام، وهذه قوة غير عادية في الناقد، أن يجعل الانتقاد مادة ممتعة للكاتب فيرحب بهذا النقد، قال الغامدي إنه مشروع الأحاديث الجلبية، وأنا أقول ربما ولكنه يبقى مشروعا حيويا، وحتى لانطيل على القاريء أقول إن هناك العديد من الأحاديث الرائعة في التأسيس المعرفي، ذهلتني أثناء مشروعي في الاطلاع على الأحاديث، وقعدت يومها على كتب الأحاديث الأساسية من البخاري ومسلم، ثم أتيت بكتاب الشنقيطي بخمس مجلدات فعكفت عليه، وهو مكتوب بطريقة لطيفة على حروف الهجاء، قد أخذ كل حديث رقما متسلسلا، وكنت أحيانا أجتمع بأحاديث بلغ من جمالها أنها لم تتركني بدون أن أحفظها كما حفظت القرآن في مشروعي السابق الذي أخذ مني ثماني حجج. لقد قام مشروع ابو شقة على نفس النسق في محاولة إعادة النظر لموضوع المرأة جملة وتفصيلا وقام باستعراض آلاف الأحاديث من الصحاح التسعة في مشروع موسوعي أخذ منه جهد عشرين عاما ليضع في النهاية كتابه تحرير المرأة في عصر الرسالة في ستة مجلدات. سوف أحاول في مقدمة الكتاب ذكر الحديث وأهميته الحيوية في حياتنا على أمل التوسع في كل حديث.

الأحاديث السبعون

 

(1) حديث علاقة الأخلاق بالغذاء

  (أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمان يمان والحكمة يمانية، والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم) (رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة) يمكن قراءة هذا الموضوع في مقدمة ابن خلدون عن تأثير الغذاء والهواء في أخلاق البشر. نلاحظ هنا ثمة انعكاس معين من غذاء معين على تشكيل الأخلاق؟ بالطبع هذا يشكل بوابة مهمة لكشف العلاقة بين الغذاء والأخلاق. بنفس الوقت يلقي الضوء على تحريم أكل لحم الخنزير أو الدم المسفوح. وانتبه ابن خلدون في مقدمته إلى هذه العلاقة.  

(2) حديث الحجر الصحي في الأوبئة

  (إذا سمعتم الطاعونَ بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها) (صحيح متفق عليه) هذا الحديث فهمناه على شكل عملي حينما ضربت الأرض جائحة كورونا التي أخذت اسم كوفيد 19. وهي تشابه ماوقع للبشر عام 1918 واتفق الناس على أن أفضل مكافحة لها هو التباعد الاجتماعي وإلا مات الناس كالذباب وهو ماوقع في جائحة عام 1918م.  

(3) الاجتهاد أم التقليد

  إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ (بخاري) هذا الحديث بوابة رائعة للعمل العقلي فهناك أجر لمن يعمل عقله حتى لو أخطأ. فمع الخطأ اجر واحد ومع الصواب الأجر مضاعف. وهذا يحمل ضمنا أن من أصاب بدون اجتهاد فلا أجر له. كله من أجل تنشيط العقل الكسيح لاكتشاف مصادر الصحة من الخطأ. وبالطبع فهناك حديث خطير للقضاة أنهم ثلاثة اثنان في النار لمن جهل فحكم،  ولمن عرف فحكم ظلما، والثالث من عرف فحكم عدلا فهو في منجاة.

(4) مفهوم توقف الزمن مع التحول إلى كائنات نورانية

  (أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون، ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة -عود الطيب- أزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدام، ستون ذراعًا في السماء (متفق عليه) نحن نعرف من النسبية أننا إذا اكتسبنا سرعة الضوء يتوقف الزمن فندخل الخلود. كذلك من أية سورة آل عمران عن جنة عرضها السموات والأرض. هنا تدخل النسبية العامة على الخط فمن وقف على كتلة لانهائية يتوقف الزمن من جديد فوقها.  

(5) مبدأ الاشتراكية في الأزمات

  (إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم (متفق عليه) في هذا الحديث تظهر روح المشاركة على نحو اشتراكي بل إن رسول الرحمة يقول أنا منهم وهم مني.
اقرأ المزيد
جودت سعيد حيا وميتا 
 
جودت سعيد ودع الحياة الفانية والتقى بخالقه الأعلى. عاش للعلم. ضرب وعذب وسجن وسرح من وظيفته وعاش بسيطا أقرب للفقر والزهد والعفة. كتب العديد من الكتب الخالدات في ترسيخ ثلاث مفاهيم العلم والإيمان والسلام. لم ينافق ولم يكن من وعاظ السلاطين .
كنت سهرانا حين تقاطرت الي الرسائل تنقل نعي (جودت سعيد). تأكدت من الخبر أنه مات في مشفى في تركيا (استانبول) بعد إصابته بالكورونا.  الرجل عمّرطويلا وعاصر القرن العشرين بكوارثه من الحروب الكونية وولادة دولة بني صهيون. كانت ولادته 1931 وموته 2022م. ويكبرني بـ 14 سنة. بكل أسف لم يترك خلفه مذكرات شخصية. وبالنسبة للمغاربة فبعضهم يعرفه والأكثر يجهله. جاء إلى المغرب فبقي فيها شهرا يتنقل فيها بين المدن المغربية ويحاضر ويتحدث. والشعب المغربي فيه ثلاث صفات: الكرم بما يستحي أمامه حاتم الطائي، والانفتاح الثقافي بسبب طول الشواطيء والاتصال بالأمم (سواحل على بحرين بطول 2791 كم) والطبيعة الجميلة وكأن الله اقتطع قطعة من الجنة فأنزلها إلى الأرض وسماها المغرب. لكن إبليس لم يطرد منها بعد! أما آدم فهو كادح إلى ربه كدحا فملاقيه. كانت شخصيته عجيبة في مزيج من الإيمان والتواضع والتقوى والخشوع والدأب الثقافي والاطلاع المعرفي على كل الثقافات. مر بأربعة مراحل فكرية من العنة والعته السلفي حتى استيقظ من السبات السلفي بصدمة فكر مالك بن نبي الجزائري بفضل دأبه واطلاعه الواسع على الفكر منوعا. ثم ودع العنة السلفية إلى رحاب الفكر العالمي وأخيرا بللور مفاهيم السلم والعلم والإيمان. كان في المراحل الأولى صداميا ولم يكن موفقا حين كان يصرخ كفرت بآلهتكم الثالوث المقدس (الشعار البعثي : الوحدة والحرية والاشتراكية) فهي شعارات جميلة وكان بالأحرى أن يقول لا للاستبداد أما الشعارات الثلاث فهي صحيحة والسبب هو بقايا الفكر السلفي الذي كان يحمله، فهم لايفقهون من السياسة حرفا ولا من الفكر إلا نقيرا. دخل الرجل معتقلات البعث العديد من المرات وكنت معه في حبسه الأخير حين زربونا في غرفة تتسع لشخصين فكنا عشرة لانحسن مد أقدامنا. وبقينا في هذا المعتقل سوية فترة 250 يوما مايعادل حكم سنة قضائية. ليس من مراجعة ولا زيارة ولا محاكمة ولا تهمة سوى الاعتقال التعسفي. والعالم العربي اليوم في معظمه معتقل في سجون لاتنتهي من أي اتجاه لأي اتجاه. بعدها انسحب إلى بيته في الريف يدعو من حوله بهدوء ويلقي بعض المحاضرات ويكتب بعضا من كتبه. وما صدر كان إضافة جيدة لتجديد الفكر الديني مثل مذهب ابن آدم الأول. وكان حريصا على وضع قسم من آية دوما كعنوان لكتابه. وهكذا صدر كتاب حتى يغيروا ما بأنفسهم يبحث فيه منهج التغيير بأربعة أفكار رئيسية أن التغيير الاجتماعي حتى يتم يجب حمله من كتلة حرجة فلو غير فرد مابنفسه قد يجر على نفسه الويلات ولذا لابد من حصول كم حرج من الناس على أفكار حرجة للتحرك بها في التغيير. الاية تقول إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ثمة حركة في التغيير يقوم بها أولا الإنسان. ويجب أن تكون كتلة ولايشترط فيها أن تكون مسلمة بل أي قوم. والتغيير يمكن أن يتم في أي قطاع من صحة وتعليم واقتصاد وحكم وسياسة. جودت سعيد ودع الحياة الفانية والتقى بخالقه الأعلى. عاش للعلم. ضرب وعذب وسجن وسرح من وظيفته وعاش بسيطا أقرب للفقر والزهد والعفة. كتب العديد من الكتب الخالدات في ترسيخ ثلاث مفاهيم العلم والإيمان والسلام. لم ينافق ولم يكن من وعاظ السلاطين . حوصر في قريته فاستمر يدعو إلى فكرته بصبر. وحين اندلعت الثورة السورية كان بجنب الأمة في وجه النظام الطاغوتي المافيوزي.  في النهاية مع الحريق الأعظم هاجر إلى ديار العثمانيين حيث أنهى حياته صادقا غير منافق أو متسول أو متوسل. كان الرجل صادقا مع نفسه وافكاره وعاش للفكرة في نموذج متفرد يندر أن تراه في بني البشر.  هنا يحدوك الأمل أن الجنس البشري يبدع كائنات تستحق أن تسجد لها الملائكة. انا شخصيا كان لي الشرف مضاعفا مع هذا الرجل مصاهرة فتزوجت اخته ليلى سعيد التي كانت نسخة جودت سعيد الأنثوية مع تفوق عليه. واستفادتي منه بفهم وتطوير آليات الصراع المدني بالطرق السلمية واخيرا دخولنا المشترك إلى معتقلات البعث العبثية.  عاش جودت سعيد طويلا وتجاوز التسعين ومات سريعا فلم يثقل على من حوله. وترك خلفه إرثا فكريا محمديا نقيا لا يمكن لأي فرد مهتم بنهضة الأمة إلا واعترف واغترف من معينه. هو الآن في حضرة الله غير خائف ولا مضطرب ولاحزين بل يرى حبيبته هالة وتلمبذته ليلى المفضلة في مقعد صدق عند مليك مقتدر . وحين يتناهى لسمعي موت الانسان اكرر: بعد مائة عام لن يبقى منا احد لا نحن ولا أبناؤنا ولا احفادنا ولا اولاد احغادنا.  أحفاد احفادنا سيكونون شيوخا بالعكاكيز واهنة أقدامهم عاشية أبصارهم مهترئة ذاكرتهم على حافة قبورهم. الموت يسحق الفرد ولا يأبه ولكن النوع يتابع الحياة بإصرار وعناد.  ومع كل ليلة يدلف الى القبور 140 ألفا ومع كل شروق شمس يولد 370 ألفا فيزداد الجنس البشري كل 24ساعة 130 ألفا ومليار من الانام كل عشرة سنوات مثلي ومثلك من يقرأ كلماتي.  
اقرأ المزيد
لماذا أُحرِق جيوردانو برونو 
افتتح القرن السابع عشر بحادث جلل تقشعر منه الجلود، ففي السابع عشر من شهر فبراير عام 1600م تم حرق المفكر والفيلسوف (جيوردانو برونو) وهو على قيد الحياة، عن عمر يناهز الثانية والخمسين، بعد اعتقال وإذلال طويلين دام ثماني سنوات من قبل هيئة محكمة التفتيش التابعة للكنيسة الكاثوليكية، في ساحة عامة في روما، وعلى مرأى من جموع غفيرة شهدت منظر النار تأكل اللحم الإنساني الحي ببطء، إنذارا لكل عقل يحاول أن يسمح لنفسه بالحركة فيفكر أو يتساءل.  ولكن ماطبيعة الجريمة التي قام بها برونو حتى تختم حياته على هذا النحو الأسيف؟ قال الرجل أن هناك عوالم أخرى غير النظام الشمسي الذي ننتسب إليه! وحقا إنه لأمر مثير أن نتعرف – وبعد مرور أربعة قرون على هذه الواقعة الرهيبة - على طبيعة الأفكار التي كان يحملها أو يتحدث بها (جيوردانو برونو) عن طبيعة الكون الذي نعيش فيه ومغزى وجوده، بعد أن نقل إلينا العلم منذ فترة ليست بالطويلة اختراقات شتى في علم الكوسمولوجي!. وينقل إلينا التاريخ من خلال بعض الأفكار المتفرقة التي نقلت عن (جيوردانو برونو)، الذي عاصر الفكر الانقلابي في فهم حركة الكون الجديدة، التي دشنها قبله (كوبرنيكوس) عام 1543م (لاتخلطوا بين الرقمين 1543 و 1453 م الأخير كان مع سقوط القسطنطينية)  ففي الحين الذي قلب كوبرنيكوس حركة الدوران بين الشمس والأرض، فأصبحت الشمس ثابتة – في رأيه – والأرض هي التي تدور حولها، بدل العكس حسب نظرية بطليموس السابقة والتي تبنتها الكنيسة يومها (وليست الحماقة الأولى لها أو بقية المؤسسات الدينية من قم وأزهر) فإن برونو اعتبر أن الشمس ليست ثابتة؛ بل تتحرك بدورها أيضا، وأن كل ما في الكون يتحرك، ونظامنا الشمسي ليس الوحيد في هذا الكون، ولنتصور ثورية هذه الأفكار في وقت لا يوجد فيه (تيليسكوب) واحد في العالم، لأن التليسكوب تم اختراعه بعد ذلك من قبل جاليلو. وافق (برونو) على ما قاله كوبرنيكوس قبله عن دوران الأرض حول الشمس، ولكنه أضاف أن كل ما في الكون في حركة دائمة، وليس هناك من ثبات في أي مكان، سوى أننا لا ندركها تماما، كما أن النظام الشمسي الذي نعيش فيه يتحرك برمته، وصدق في هذا فالمجموعة الشمسية تدور حول المجرة وتكمل دورتها في ربع مليار سنة!. قال الرجل أن نظامنا الشمسي ليس الوحيد واليتيم في هذا الكون البهي الذي نعيش فيه، وأن هناك عوالم لا نهائية، وأن الفضاء والزمن والحركة كلها أمور نسبية، وسبق في هذا النسبية بشكل غامض، وأن الكون يقوم على قاعدة التطور والتقدم والنمو، وبالمناسبة فقد كشف العلم النقاب عن ولادة نجوم وكواكب جديدة، وأن التنوع والتعدد في الكون يخفي خلفه وحدة رائعة. قال برونو في نفثة روحية معبرة: (وراء التنوع المحير الساحر في الطبيعة هناك وحدة أروع وأشد عجبا، تظهر فيها كل الأجزاء وكأنها أعضاء في كائن واحد، إنها وحدة تسحرني فأنا بقوة هذه الوحدة حر حتى لو كنت مستعبدا، سعيد في غمرة الحزن، غني في حمأة الفقر، حي حتى في الموت). لنقارن بين هذه الفكرة وما يحوم حوله العلماء من وجود قانون واحد يضم كل القوى التي تشكلت بعد الانفجار العظيم، لتولد خمس قوى رئيسية هي الكهرباء والمغناطيس والجاذبية وقوى النواة الضعيفة والقوية. هل كانت أفكار برونو خطيرة إلى هذا الحد؟ لكلفه في النهاية حياته فيحرق بالحطب؟ في الواقع كان الخطر الأكبر هو شق الطريق أمام العقل كي يتنفس وتدب فيه الحياة، أكثر منه من مجموعة مشوشة من الأفكار؛ فالتاريخ شهد لـ(برونو) أنه كان شهيد (حرية) الفكر أكثر منه شهيد العلم، كما أن الفكر الذي تركه لم تضمه نظرية فلسفية متماسكة، فالخطر كان في الجرأة في مناقشة الأفكار المسيطرة، وتسجيل الاعتراض على نظام ونسق فكري لم يعد يؤدي دورا. وأدرك برونو وهو يقف في وجه جلاديه أن هذه النيران المشتعلة سوف تضيء التاريخ للمستقبل، فقال في هدوء: «ربما كنتم يا من نطقتم الحكم بإعدامي أشد جزعا وخشية مني، أنا الذي تلقيته». وكانت النتيجة أن المكان نفسه الذي شهد حرقه (بيازا كامبو دي فيوري)، شهد وضع نصب تذكاري عام 1889م علما للتاريخ. كان الانعطاف الأول في قلب فكرة بطليموس التي لم تعد مؤهلة لفكرة حركة دوران الكواكب، واعتبرت الشمس هي مركز النظام بدلا من الأرض، وتحولت الأرض إلى تابع يدور مع مجموعة كبيرة من الكواكب الأخرى، مثل عملاق المجموعة الشمسية كوكب المشتري الذي هو أكبر من كوكبنا الأرضي بمرات (ويبلغ نصف قطر المشتري 69.911  كم فيما يبلغ نصف قطر الأرض 6.371 كم، وفي حسابات الفيزياء يصل حجم المشتري إلى 1321 مرة ضعف حجم الأرض)، وكان معنى هذا تراجع مركزية الأرض، وتلا هذا تراجع أهمية الإنسان – في رأيهم – فحدث اهتزاز كبير ترك بصماته الفلسفية حتى اليوم، فلم يعد الإنسان بهذا الشكل مركز الكون، بل هو كائن يعيش على ذرة غبار في هذا الكون السحيق، وفي الواقع فإن هذا الاهتزاز الكوسمولوجي أعقبه بعد ذلك زلزال بيولوجي- أنثروبولوجي في الضجة الرهيبة التي أحدثها كتاب (داروين) عن أصل الأنواع وأصل الإنسان. ولذا فإن من الحكمة العظيمة أن يكتب الإنسان كتابا أو كتابين يحدث فيهما تغييرا عقليا كبيرا، أفضل من إغراق الأسواق بعشرات الكتب التي تكرر ما هو موجود، أو تجتر معلومات سابقة، أو تطرح ما لا جديد فيه.
اقرأ المزيد
حقوق النشر محفوظة ، خالص جلبي 2024  
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram