تخصيص تفضيلات الموافقة

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط لمساعدتك على التنقل بكفاءة وأداء وظائف معينة. ستجد معلومات مفصلة حول جميع ملفات تعريف الارتباط ضمن كل فئة موافقة أدناه.

يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط المصنفة على أنها "ضرورية" في متصفحك لأنها ضرورية لتمكين الوظائف الأساسية للموقع.

نستخدم أيضًا ملفات تعريف الارتباط التابعة لجهات خارجية التي تساعدنا في تحليل كيفية استخدامك لهذا الموقع ، وتخزين تفضيلاتك ، وتوفير المحتوى والإعلانات ذات الصلة بك. لن يتم تخزين ملفات تعريف الارتباط هذه في متصفحك إلا بموافقتك المسبقة.... 

دائما فعال

Necessary cookies are required to enable the basic features of this site, such as providing secure log-in or adjusting your consent preferences. These cookies do not store any personally identifiable data.

Functional cookies help perform certain functionalities like sharing the content of the website on social media platforms, collecting feedback, and other third-party features.

Analytical cookies are used to understand how visitors interact with the website. These cookies help provide information on metrics such as the number of visitors, bounce rate, traffic source, etc.

Performance cookies are used to understand and analyze the key performance indexes of the website which helps in delivering a better user experience for the visitors.

Advertisement cookies are used to provide visitors with customized advertisements based on the pages you visited previously and to analyze the effectiveness of the ad campaigns.

- -

عصر الانحطاط العربي في القرن 21 (1)  بين العالم الأول والعالم الرابع  
في كتاب «حتى الملائكة تسأل» بقلم جيفري لانج، أستاذ الرياضيات الأمريكي، يذكر فيه أنه سأل والده حينما كان طفلاً: يا أبت هل تؤمن بالجنة والنار؟ فأجابه: «أما الجنة فلا علم لي بها أما جهنم فقد رأيتها». ووضع العالم العربي اليوم مثل المريض المدنف يصحو على نزف وينام على اختلاط بدون عناية مشددة وأطباء. ويعرف كل من حوله أنه مريض. ويعرف كل من حوله أنه لا يعرف طبيعة المرض أو نوع الدواء. والجميع بين خائف وحزين ويائس. وحين تدفق الربيع العربي أدركنا أننا في عصر الثلوج ولما يبزغ الفجر.   وفي المحطات الفضائية يرتدي مقدمو البرامج ملابس السحرة فيدمدمون ويسجعون ويجري الحديث عن اعتذار ومصالحات عربية كمن يعالج الايدز بالبخور. وهو ليس انتقاصا من قدر البخور سوى أنه ليس في مكانه. ذلك أن مرض الغدر لا يعالج بالكلام. «ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون». ويمضي التاريخ وفق قوانينه الخاصة. «ومضت سنة الأولين». وقبل دخول الألفية الثالثة سألتني مجلة (الرجل) فيما أذكر ثلاثة أسئلة عن أهم (الرجال) و(الأحداث) في فترة الـ 500 عام الماضية. و(العقد الفائت) و(العقد القادم)؟؟ وكان جوابي أن ما حدث خلال القرون الخمسة الفارطة واضح لأنه ظهر أثر أولئك الرجال مثل (كوبرنيكوس) الذي قلب النظام الكوني. و(ديكارت) الذي قلب عقولنا بمنهج الشك الذي يقود لليقين. و(دارون) الذي أعطانا مفهوماً جديداً لمعرفة نشأة الحياة وتطورها. و(غاندي) الذي أحيا منهج الأنبياء بدون نبوة وهو قهر الخصم بالحب دون قتله. و(كولومبوس) الذي قلب خرائط العالم ومعها أقدار الشعوب، وقفز الصليبيون الفقراء إلى واجهة التاريخ، ولم تعد ملكة بريطانيا تعيش على القرصنة على يد زعيم القراصنة (دارك) أو يقودهم ملك أمي إلى بيت المقدس؛ بل ملكوا البحار والثروات ومؤسسات البحث العلمي والجيوش الحديثة ومصارف المال وعالم الديجتال. ويبنى لأحفاد ريتشارد قلب الأسد بيوت في القطب الجنوبي والقمر والمريخ. أما رجال العقد الفارط فيختلف قدرهم من زاوية رؤيتهم مثل (ماري روبنسون) في حقوق الإنسان أو بروز تيار الإصلاحيين في إيران مع (خاتمي) قبل أن يختم عليه، أو انهيار حلم الوحدة العربية بعد عاصفة الخليج، أو الأحباط المقيم عن عقم الربيع العربي. ويبقى أصعب الأسئلة هو ماذا ينتظرنا ولكن الشيء المؤكد فيه هو حراك جماهيري عفوي غير مخطط له واهتزاز الأنظمة العربية أمام زلزال لم ترصده مراصد الصراع الفكري. وهو مؤشر قد يكون جيداً كونه يعطي مؤشرا دقيقا عن المرحلة الفعلية التي تمر بها الأمة العربية المتوقفة في مربع الزمن عند القرن الخامس عشر الميلادي مكتوبا بالهجري؟ قبل فترة الإصلاح الديني في أوربا، بفارق أنه عصر جاء في غير محله كمن يلبس قميصاً بنصف كم في بلاد الإسكيمو أو ما أشعر به حاليا وأنا أكتب هذه الأسطر في مونتريال ـ كندا ودرجة الحرارة 26 تحت الصفر. وأهمية معرفة المرحلة التي تمر فيها الأمة العربية ومؤشرات المستقبل تأتي من أهمية التاريخ العام للجنس البشري وتطوره، وأضع بين يدي القاريء المقابلة التي أجرتها مجلة «درشبيجل» الألمانية عدد 14ـ 2002 مع عالم الاجتماع (مانويل كاستلز Manuel Castells) من جامعة كاليفورنيا في بيركلين عن تطورات العالم الذي رأى أنه يتحول إلى مجتمع جديد إلكتروني من يدخل فيه على شبكة المعلومات انتمى إليه وأما الجاهلون فمصيرهم الانسحاق في ثقب أسود. وأن العالم الالكتروني سيكون حكراً على المتعلمين، ويذهب إلى ما ذهب إليه آندي جروف Andi Grove من رواد شركة انتيل للميكروشيبس أن قفزة عصر الانترنت تضاهي الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، وأن بنية المجتمع سوف تتغير كلية وتتراجع فيه سطوة الدولة والمخابرات فيفلت من قبضتها تدفق المال وتيار المعلومات في ضربة موجعة. وحيث الانترنت لا توجد مسافات، ومن كان خارج الانترنت كانت المسافات لا نهاية لها. وأنه عصر المرأة وأنه التحول الأعمق للمجتمع الإنساني بنشوء وعي نسائي مستقل، وهو غير قابل للارتداد. وأن من يقود العالم لم يعد رؤساء الدول بل ربابنة بحر الانترنت. وأن العالم سيعاني من ظاهرة «الاستقطاب Polarization» حيث يتحول إلى بنية مركبة من نواة فعالة للغاية تمثل 30% من الجنس البشري، في يدها العلم والمال والتكنولوجيا ومؤسسات البحث العلمي، وأنه مع دخولنا إلى الألفية سيكون ملياران من البشر من السعداء الفائزين، ملياران (2000000000) متصلان بعالم الشبكة الإلكترونية في الوقت الذي لا يعرف مليار من البشر تهجئة كلمة كومبيوتر وهم 16% من مجموع الجنس البشري. وأسوأ ما سيحدث ليس استعمارا من النوع القديم حيث تنهب ثروات الشعوب؛ بل تحول الجاهلين إلى (عالم رابع) يتم تجاهله لأنهم بكل بساطة ليسوا منتجين ولا مستهلكين للمعرفة. ومع هذا الاضطراب الكوني فسوف تنمو الأصولية في كل مكان من الدينية والعرقية والوطنية وتدخل فيها الأصولية الإسلامية والمسيحية والبوذية والصهيونية. ولسوف تتعاظم الجريمة المنظمة، وما ينفق اليوم على الجريمة 1.5 مليون مليون دولار (تريليون) وهو ما يعادل التجارة الأوربية في عام. وفي أمريكا يفتتح كل أسبوع سجن جديد يتسع لألف سجين، وينفق في كاليفورنيا على السجون ما ينفق على التعليم.
اقرأ المزيد
تزوير أحداث التاريخ (2)  ماذا جرى فعلا في معركة دينكيرشن؟
السينما تعرض، ولكن الحقيقة التي جرت مازالت غامضة حتى اليوم، وهي من أعقد أسرار الحرب العالمية الثانية. وحتى (رودولف هيس) الذي نزل في الجزيرة بطيارته لم يفصح ذلك لتشرشل، ويمكن قراءة مذكرات الرجل من سجنه في برلين، قبل أن يعلن انتحاره، وفي الغالب نحره الروس كما فعل عبد الناصر مع صديقه المقرب عبد الحكيم عامر، نحروه على أعينهم ليتخلصوا منه؛ فهو أطول سجين في تاريخ السجون، وأراد الحلفاء إطلاق سراحه بعد أن وصل التسعين، ولكن الروس أبوا إلا المشنقة والمخنقة.  وقعت كارثة (دنكيرشن) في نهاية مايو من عام 1940 وما بين 26 مايو والرابع من يونيو تم إجلاء مئات الآلاف من البريطانيين على عجل، وأصبحت بريطانيا ذاتها مهددة بالزحف النازي، فقد كانت خطة (فرس البحر) جاهزة لغزو الجزيرة، ولكن مارشال الجو (جورنج) آثر أن يستفتح جهنم بالغزو الجوي، وهكذا كانت السماء فوقهم كالمهل والأرض كالعهن. ولكن عملية فرس البحر تأخرت، ثم أجلت ليوم الفصل الذي لم يأت، ثم نسفت الجزيرة البريطانية بصواريخ فاو 1 (V1 , V2) وفاو 2 فدكت الأرض دكا في لندن فكانت هباء منبثا، ولكن تدخل أمريكا وقانون (الإعارة والتأجير) هو ما أنقذ تشرشل وستالين الذي أصيب بالصدمة، واختبأ من الهول الأعظم، فقد كانت الجيوش النازية على مرمى حجر من موسكو، وكان مليونا من الأنام يموتون في لينينغراد (منهم والد رئيس الستازي الألماني سابقا STASIالمدعو بوطين حاليا) وستالينجراد المحاصرة من الجيش السادس بقيادة (فون باولوس)، وظهر في الجو أن النازية أصبحت قاب قوسين أو أدنى من احتلال كامل القارة الأوروبية، والزحف باتجاه أمريكا بالقنبلة الذرية، التي تتكشف أسرارها كل يوم، أن النازية امتلكتها في اللحظات الأخيرة قبل النزع الأخير، ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وإلا كنا اليوم نتحدث الألمانية، ونرطن بلغة التيوتون الجرمان أو لغة الساموراي. أسياد العالم كانوا ثلاثة؛ اليابان والألمان والفاشيين من جماعة موسوليني. حسب (مالك بن نبي) أن التوقف في (دنكيرك) لم يكن تحت ضغط الجنرال (فون شتيدت) ولا (كلوج) الذكي؛ بل شيء لمع في ذهنه في رسالة وجهها إلى بريطانيا، أن الوقت أصبح ألمانياً، وعلى بريطانيا أن تسلم المستعمرات للسيد الجديد في أوروبا والعالم، وبالبريد المضمون المسجل على طبق من نار. عقب (مالك بن نبي) على الحادث فقال: كلهم يتمتعون بعقلية استعمارية! كان الرجل مهووسا بسيطرة الاستخبارات فكان يقفل بيته بأعداد من الأقفال، ومما حدثني أن تيارا من اهتزازات خاصة سلطوها عليه، وبالطبع، فهي من هلوسات رجل ملاحق من المخابرات، هرب منهم إلى عبد الناصر طالبا اللجوء السياسي وليمدح الطاغية بكلمات تبرأ منها حين قال لي كان صنما لا يضر ولا ينفع. رحمة الله على الرجل ولعنة الله على الظالمين. أنا شخصيا لمحت العديد من المواقف عن (العقلية الاستعمارية) أثناء رحلة تخصصي في ألمانيا، من بقايا هذه الروح الخبيثة، حين كنت أقرأ في العديد من الأمكنة كلمة أيها الأجنبي غادر أرضنا. (Auslaender RAUS) بكلمة أدق: انقلع! وهناك من الأجانب من أحرق حيا على أيديهم. وفي يوم قتل من هؤلاء المجرمون زوجة مصري ثم أجهزوا على الرجل في قاعة المحكمة ولكن ليس كل الألمان هم من حركة بيجيدا الحركة الوطنية الأوربية ضد أسلمة الغرب PEGIDA: Patriotische Europäer gegen die Islamisierung des Abendlandes).) الشعب الألماني من لا يحترمه لا يحترم نفسه، ولكن اشتر منهم سيارة مرسيدس، فهم قوم يتقنون عملهم، ولكن لا تعش بينهم فرائحة الكثير منهم خبيثة، وعلينا أن لا نعمم كما علمنا القرآن و(كثير) منهم فاسقون؛ فلم يقل كلهم، بل وذكر عن قوم موسى أنه منهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. هذه شهادتي عن القوم ويقولون إنهم تغيروا كما يروي لي صديقي أنس من الجديدة في المغرب، فهي زاوية رؤية عند آخرين. أدعو ربي لهم بالتحول إلى (الإنسانية) كما في المجتمع الكندي الذي أعيش بين أظهرهم. بالمناسبة والشيء بالشيء يذكر، فهناك من المجتمعات العربية في الخليج، من هي أشد عنصرية من الألمان. ولو خيرت أنا شخصيا أين أعيش ولا ثالث؛ لقلت الألمان لأن هناك قانونا يحميك، أما بين الأعراب فلات حين مناص. قال صاحبنا (ستاردي) الكندي من المحاربين القدماء في النهاية، وهو يمسح دمعة سالت على خده، نحن البشر أذكياء، وصلنا إلى القمر، ولكننا نعمل الأشياء الغبية، وعلى من رأى الفيلم أن لا يعتبره تسلية، بل درس للحياة عما تعنيه الحرب؟ السؤال هل يستفيد الجنس البشري من الحروب والأهوال؟ وهل يحفظها الجيل الجديد فلا يكرر الحماقة؟ الجواب لا.  في مؤتمر عربي تحدثت عن حماقة الحرب، وكان جل القوم متحمسون للضرب بيد من حديد خاصة كارثة اليمن الجديدة، التي ظن الفقهاء والمفكرون أنها مسألة أسابيع وها نحن في العام الثالث والعاشر منها ولانهاية للنفق. صدق من قال الحرب يمكن أن تبدأها ولكن نهايتها ليست في يدك لا متى ولا كيف؟ حين سمع القوم مني كلامي قام رجل فكر معتبر هو رضوان السيد وقال ليجبني جلبي عن الآية القرآنية: كتب عليكم القتال. أصبحت في مواجهة ليس مع المفكر العربي، بل مع الله نفسه؛ فمن يزعم لنفسه مواجهة رب العزة والجلال، وإلا فسيكون أحمقا يجلب على نفسه الهزيمة. سكت، فلم أجب وقلت كما قال نوح: فدعا ربه إني مغلوب؛ فالزمن زمن جنون، وعلي أن أسكت بين المجانين ولو كانوا كتابا ومفكرين.
اقرأ المزيد
تزوير أحداث التاريخ (1)  ماذا جرى فعلا في معركة دينكيرشن؟ 
يأتيني يوميا من تفاهات اليوتيوب مايشكل مستنقعا من الأكاذيب والترهات، منها رجل عراقي يدعى خزعل مزعل يقول أنه يتقن ثمانية عشر لغة قديمة من الآرامية واليونانية القكية والحديثة والديموطيقية والهيروغليفية والآشورية والسريانية والسنسكريتية والكلدانية والسريانية والبابلية والمسمارية ولغة الانكا والساموراي والصينية ولغة عصر المسيح القديمة، ومسح الرجل كل التراث الإنسانية فلم يشاهد مكتوبا على الاهرامات والمسلات أن فرعون يذكر فيها هزيمته أو هزيمة والده أمام رجل يدعى موسى؛ فليس ثمة نبوات في التاريخ إلا خرافات وخزعبلات!  والواقع فالرجل محق في جانب أن التاريخ يكتب مكذوبا في الغالب؛ فكيف سيكتب رمسيس أو خوفو ومنحوتب وبيبي أنهم هزموا ونكل بهم. نحن هذه الأيام نطالع قصصا عجيبة عن وقائع هزمت فيها بريطانيا ولكنها تخلد انتصارات كما في معركة وباليكفالا في القرم أو غاليبولي عندما هزم تشرشل في وجه الاتراك عند مضيق الدردنيل فيما عرف بموقعة غاليبولي. ومن هذه الأكاذيب قصة انتصار بريطانيا في معركة دنكيرشن الذي عرضته هوليوود أنه انتصار بريطانيا ضد هتر والنازية فماذا جرى بالضبط عند القنال الانجليزي يومها؟ في كالجاري (Calgary) في كندا تقدم شيخ واهن هو كين ستاردي (Ken Sturdy) إلى صالة السينما، يتطلع بدهشة لما حوله بدون نظارات، مع تقوس خفيف في الظهر، إلا أنه يمشي منتصبا على رجليه بعكازة. تتدلى من صدره العديد من الأوسمة والميداليات. إنه من المحاربين القدماء يبلغ من العمر 97 عاما. جاء الرجل ليرى فيلم دنكيرك (Dunkirk) فقد اشترك في المعركة، وهو في عمر العشرين. ولكن ما أهمية هذه المعركة حتى يعمل له فيلما تشد له الرحال؟ وتوظف فيه ملايين الدولارات؟ الألمان يسمونها معركة دنكيرشن (Dunkirchen) نسبة إلى مدينة تقع إلى الشمال الفرنسي حذاء القنال الإنجليزي، حيث تم تطويق الجيش البريطاني بعدد مهول من الجند وصل إلى 400 ألف عسكري إنجليزي. طوقتهم القوات النازية عن اليمين والشمال عزين. يطمع كل امرئ منهم بالنجاة؟ أتذكر جيدا حين سمعنا لأول مرة خبر المعركة وكانت من المفكر الجزائري (مالك بن نبي) حين زارنا في دمشق عام 1971 قبل أن يفارق الحياة بقليل، وندخل نحن زنازين البعث لاحقا في الفرع 273 لصالح المخابرات العامة البعثية العبثية. تحدث الرجل رحمة الله عليه عن ألغاز الحرب العالمية الثانية، وهذه المعركة كانت واحدة منهن؛ وليست الوحيدة من أسرار الحرب، فكل يوم يتكشف الجديد، بل وهناك من الأسرار ما مر عليه أكثر من سبعين عاما وقد يبقى في ملف الأسرار سبعين أخرى، من الأسرار المخيفة مثلا كهف لينين الذي عمل، ليصمد ولو في حرب ذرية وفيه وثائق مخيفة كان المجرم يمضي بخط يده في إعدام المئات من خيرة القوم، ومن أسرار الحرب أيضا تلك التي اطلعت عليه مؤخرا في وصول هتلر إلى أسرار السلاح الذري، بل وتجربة السلاح الذري بشكل محدود، بل وقع في يدي كتاب (سجناء العصر الذري لروبرت أوبنهايمر) ضاع من مكتبتي ربما من استعارة أحد الأشاوس الذي عمر مكتبه بكميات من الاستعارات، والمشكلة في هؤلاء المتخلفين الذين نحرص على إثرائهم بكتب قيمة فتضيع ولا من بديل وتعويض، تماما كما حصل معي في كتابي عن النسبية لبدر عبد الرحيم بعد أن درسته عددا، وكذلك كتاب علم المواريث للقلعجي. ما حدث في معركة دنكيرك أن الجيشان الألمانيان أطبقا من الشرق والغرب على القوات البريطانية بالكماشة المعروفة منذ أيام هانيبال القرطاجي، حين قضى على جيش روماني من 80 ألف جندي بالتطويق، ثم الفرم التدريجي؛ فلم يرجع منهم إلا من نقل الفاجعة، لكل بيت في روما. منذرا بسقوط الجمهورية، حيث أصبحت علما في تكتيكات الحرب، فالتطويق يعني بكلمة مختصرة أن الجيش يقاتل من حوافه كما في دائرة تماسها من الخارج مع محيطها الخارجي فقط، فيهلك من في الداخل ازدحاما ولا يقاتل من الجيش إلا أقله وفي ظروف بائسة. طُوَّقت القوات البريطانية بمجموعة الجيوش (ب) في الشرق بقيادة الجنرال (فيدور فون بوك Fedor von Bock)، ومجموعة الجيوش (أ) في الغرب بقيادة الجنرال (غيرد فون رونتشتيت Gerd von Ronstedt)؛ ما سماها الماريشال إيريك فون مانشتاين بضربة المنجل. لم يبق أمام البريطانيين في هذه المذبحة إلا القتل أو الأسر المهين أو الهرب إلى البحر ولكن كيف؟ هنا يتكلم القدر كما رواها لي مالك بن نبي!  لقد أمر هتلر قواته بالتوقف، وكتف يديه على صدره يتأمل القوات البريطانية، وهي تتسلل لواذا عبر البحر في ثماني ليال وتسعة أيام حسوما، فترى الوجوه خاشعة من ذل الفرار إلى الجزيرة. لقد جند لها تشرشل يومها كل ما يعوم على سطح الماء؛ من زورق وسفينة وباخرة وبارجة لحمل هذه الكتلة البشرية من اللحم؛ فقد ألقوا عتادهم وسلاحهم ظهريا، ولاذوا بالفرار بأي سبيل. وكان يوم الفرار الأعظم في تاريخ جيش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس. لقد ظهر سيد جديد في القارة الأوروبية اسمه هتلر. هذا ما تعرضه السينما، وهذا ما وقف فيه صديقنا المحارب القديم الكندي السيد (كين ستردي) يحملق في المنظر، ويستعيد الذكريات باكيا، ويقول لمن حوله: كنت في العشرين من العمر في الكارثة، وهي ما ترونه مصغرا في الحجم. لقد مات الكثير ممن حولي من أصدقائي، وأنا تعرضت لإصابات نجوت منها.
اقرأ المزيد
هل مات ديكارت مسموماً ؟ (4) 
مفهوم لا إكراه في الدين:     إن القرآن حينما طرح شعار (لا إكراه في الدين) أراد منها تحييد الجسد في لعبة الصراع الفكري، وهذا المفهوم ينبثق عنه ثلاث مفاهيم خطيرة مازال الجنس البشري يعس من أجل تحقيقها، ولم يصل الى ذلك حتى الآن الى بعضها الا بشق الأنفس.   هذه المفاهيم الثلاثة هي بالتتالي:  (1) ـ أولاً: تحييد العرق، وبذلك يتوقف الصراع العرقي وتزول العنصرية من العالم. (2) ـ ثانياً: كما يصب تحييد الجسد في مفاهيم العنف واللاعنف فيتوقف إكراه الانسان وتعذيبه من أجل معتقداته، فلايقتل الانسان من أجل أفكاره، بل بما جنت يداه، والقرآن مشى في اتجاهين في مواجهة هذه المشكلة الانسانية التاريخية. فهو أولاً: أعلن من جهته توقف الاكراه في العالم، بكل صوره، فكلمة (لا إكراه في الدين) كلمة جامعة شاملة لكل المعتقدات والمباديء والأديان، فنفى كل صور الضغط والاكراه وضمن أي دين أو مبدأ . ومن هذا النبع النمير نكتشف بؤس الفقه حين دشن مشروعية قتل المرتد أي من يغير معتقداته، على الرغم من عدم وجود نص واحد في القرآن يفيد هذا الحكم الشنيع، فمن أراد دخول الإسلام ثم الخروج منه عليه أن يخرج بدون رأٍس؟؟ ومن أراد صناعة السيارات عملها تمشي للأمام فقط، فإذا دخلت الكاراج وأرادت الخروج انحشرت فما غادرته أبد الدهر؟؟ رفع الأكراه هو في اعتناق مبدأ أو تركه، دخولاً وخروجاً، وكان هذا الاعلان ـ وهو أمر مثير ـ أنه جاء من طرف واحد، وليس في صور اتفاقيات متعددة الجوانب؟ وهذا يفسر قسماً من سر انتشار الاسلام في العالم وانسياحه حتى هذه اللحظة في ضمائر البشر جميعاً. وهو ثانياً: ترك الهامش أمام (التظاهر) بالتراجع عن المبدأ في حال التعرض للاكراه (الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان) كله في محاولة لتحييد الجسد عند اختلاف الآراء والعقائد، من أجل الوصول الى مجتمع انساني حر التفكير خالي من كل صور الاضطهاد والضغط المادي والأدبي، فلا تستخدم أي صورة من صور  الضغط لادخال الناس بالقوة في أي مبدأ، أو إخراجهم من أي دين بالقوة، في كلا الاتجاهين، دخولاً وخروجاً. والعنف المادي ضمن هذه البانوراما هو تلك الوسيلة التي تحتكرها الدولة لتحييد كل صور الاكراه على الانسان ضمن المجتمع كي يعيش آمناً، والجهاد بمعنى استخدام الآلة المسلحة هو لرفع الظلم عن الانسان أينما كان، والظلم من أي جهة انطلق حتى لو قام بها مسلم، من أجل إيقاف عملية إخراج الناس من ديارهم وعقائدهم بالقوة المسلحة، فهي دعوة لأقامة حلف عالمي لرفع الظلم عن الانسان أممياً، وبذلك يتحول العالم الاسلامي تحت هذا المفهوم وضمن هذه الصورة الى مكان يهرب اليه اللاجئون السياسيون كل مكان وليس العكس. ومن عجيب تفكير الإصوليين أنهم يقولوا نعم هناك حرية اعتقاد ولا إكراه ولكن هذا في الدخول أما الخروج فلا؟!! بدون أي مستند من النص. وكله تأويل فاسد ضد العقل والمنطق والتاريخ والإنسانية والتطور الدافع للتقدم الإنساني .. (3) ـ ثالثاً: كذلك يدخل ضمن تحييد الجسد حل جذري لمشكلة المرأة، كما يتحسن وضع المراة في العالم، فوضع المرأة غير مريح في الشرق والغرب على حد سواء، وعندما يتم تحييد الجسد من خلال الجنس، تتوقف المساومة على جسد المراة، التي أخذت طابع المراهنة على الجنس، ونسيان انها انسان كامل وروح متميزة. مفهوم تحييد الجسد في الصراع الفكري:   لعل ديكارت لو بعث في أيامنا الحالية كان سيتمتع بوضع اوربا وكيف أينعت الثمرات التي وضعها هو وجيل الفلاسفة من القرن السابع عشر، وما وصلت إليه في الخلافات الفكرية، فالانسان في الغرب لايعذب من أجل أفكاره، ولايقتل من أجل معتقداته تركاً أو اعتقاداً وتحولاً،  كما أن الأرض الأروربية أصبحت إن شئنا أم أبينا ملجأً للفارين السياسيين، الذين يبحثون عن نجاة لجلودهم من محاكم تفتيش القرن العشرين، فالمسعري السعودي حمته بريطانيا وحين تدخلت السياسة فطيرته لكوبا وترينيدياد تدخل القضاء البريطاني فأعاده لضباب لندن، كذلك الحال مع الغنوشي والبيانوني في اسكتلنده وويلز. كذلك الحال مع البيطار البعثي والحوراني الاشتراكي الذي آوتهما فرنسا، والعطار الذي يقضي بقية أيامه في سلام في آخن من حيث انطلقت الحملات الصليبية على الشرق الأوسط في القرون الوسطى، عظة للغافلين وآية للمتوسمين.. كذلك حققت الحضارة الصناعية ماهو أهم من انتاج السيارات والطيارات من نقل السلطة السلمي، وتدخل أوربا الآن تحولاً مذهلاً لم يعرفه الجنس البشري من قبل وهو الاتحاد بغير طريقة نابوليون أو هتلر، فلم تعد ألمانيا فوق الجميع بل مثل الجميع، ولم يعد توحيد أوربا بمدرعات غودريان ومدفعية نابليون بل باتفاق المونتان لإنتاج الحديد المشترك في الوحدة الاقتصادية. وحكام أوربا يجتمعون ليتحدوا بدون اجتياح أحد للآخر، وبدون أن يخسر أحد زعامة أو مالاً أو أرضاً. ولايعني هذا أن نهاية الرحلة الانسانية سوف تختم على طريقة فوكوياما بالديموقراطية السياسية والليبرالية الاقتصادية الغربية، فالانسان الغربي حقق الرفاهية والأمن الاجتماعي ولكنه لم ينجح في الطمأنينة الروحية بعد، أما نحن في عالم الأطراف والمحيط؛ فلا رفاهية ولا أمنا، بل رحلة الجوع والخوف والتيه والهولوكوست إلى قرون طويلة، وذرارينا الذين يولدون في الشرق المنكوب ليس أمامهم إلا المجهول والانفجارات والمذابح الأهليه والحروب الطائفية وحكم البعث والعبث، ومؤامرات النصرانية والناصرية والشيع والتشيع والوقوف في خنادق الزمن متجمدين عند خلافات طواها الزمن. والرحلة طويلة أمامنا لنتعلم، ولكننا لن نخرج عن خط التحول التاريخي بحال، إنما هي المسافة الزمنية قرونا بين ذلك طويلة..
اقرأ المزيد
هل مات ديكارت مسموماً ؟ (3) 
نتابع في الحلقة الثالثة من قصة نهاية الفيلسوف ديكارت مسموما بالزرنيخ ولكن لابد من التعريج على أهم أفكار وإنجازات الرجل ولعل من ابرزها ما اهتدي إليه في مجلس كاهن كان يحرص على جمع العقول الأوربية. طنين الذبابة وانبثاق الهندسة التحليلية:   في ضاحية باريس عمد مفكر لاهوتي هو (مارين ميرسين)( MARIN MERSENNE)(5) في مطلع القرن السابع عشر، الى عملٍ لم ينتبه  له أحد، ولكنه كان مثل الزلزال للعقلية الأوربية، حيث كان يعمد الى عقد اجتماعين اسبوعيا يعقد فيها خيوط الاتصال بين أهل الفكر الحر في أوربا. وفي مجلسه العلمي المتواضع اجتمعت خيرة العقول الأوربية الحرة في ذلك الوقت، لتنتشر منها موجات التنوير بدون توقف. هذا العمل كان مثل تحركات القارات الجيولوجية، ويعني للمفكرين أملاً لاينضب في إمكانية تحسين التفكير الانساني. كان ديكارت لايكف دماغه عن العمل في كل مكان، وعندما أزعجه طنين الذبابة بدأ في التفكير عن احتمالات وجودها، فقاده هذا التفكير الى وضع قواعد المخطط البياني والهندسة التحليلية، التي أصبحت أحد أعمدة الرياضيات حتى وقتنا الحالي. يقول جاك بيرج صاحب كتاب (عندما تغير العالم):   (ومن الطريف والمثير أيضاً أن تحدث قصة بسيطة ذات يوم أثناء الاجتماعات التي كانت تعقد في صومعة الراهب ميرسين مرتين اسبوعيا، لتسهم اسهاماً مهماً في التفسير الرياضي لتسيير الكون، فجرَّتها مجرد ملاحظات شخصية، فقد سمع ديكارت طنين ذبابة تطير في المكان الذي كان يعقد فيه الاجتماع. أخذ ديكارت يفكر في موقع الذبابة؛ فتصور موقعها لابد أن يكون تحت نقطة يتقاطع عندها في زوايا قائمة خطان، أحدهما خارج من الاتجاه الجانبي، والآخر من أسفل. هذان المحوران يعطيان محورين إحداثيين لتحديد موقع الذبابة في أي وقت، ويمكن قياس بعدهما باستخدام إحداثيين متعامدين وفي مستوى واحد، وهذا النظام الجديد للأحداث الرياضي هو مانسميه اليوم بالخط البياني)(6) جمجمة ديكارت وعظامه الناقصة:  حتى يثبت الدكتور والصحفي (آيكه بيس) مزاعمه حول تسمم ديكارت قام برحلة بحث حول بقايا عظام الفيلسوف بعد مرور ثلاثة قرون ونصف على بلاها؛ فتبين له أن عظامه وصلت ناقصة الى فرنسا  بعد دفنه في السويد عشية وفاته، حيث تم استخراجها من جديد ودفنها عام 1666م مرة أخرى في كنيسة القديس جرمان دي بري، ولم يُنتبه الى أن الهيكل غير كامل الا بعد فتح التابوت عام 1819م،  ولم تصل الجمجمة لتوضع في المتحف الانساني في باريس الا في عام 1878م . يقول الدكتور بيس عندما وضعت يدي على جمجمة الفيلسوف أردت أن أغامر فأقوم بكحت العظام وأخذ عينة منه لكشف آثار الجريمة، فالزرنيخ المعدني لاتخيب آثاره في الكشف عنها ولو بعد قرون، ولكن جرأتي خانتي في مشهد من هذا النوع !! وأما تتمة قصة الرسالة فَعُرف أن الملكة كريستينا قامت بحملة سياسية لإعلان موت الفيلسوف، أن سببه كان التهابا رئويا صاعقا ، وعندما علمت بأمر رسلة طبيب البلاط  قامت بمصادرتها، وأحيلت الى الأرشيف الملكي، ليكشف النقاب عنها بعد تطاول القرون،  في أرشيف جامعة ليدن التي حفظتْ الوثيقة. التصفية الجسدية لأهل الفكر:   جرت العادة في العصور الوسطى أن يتم التخلص من مقلقي النوم العام (كذا؟)، فأي فكرة تطرح يجب أن لاتوقظ نائماً ولاتزعج مستيقظاً، فإذا انتشرت الفكرة اعتبر صاحبها من المفسدين، فالتهمة التي وجهت لموسى عليه السلام أنه (يظهر في الأرض الفساد)... أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وإلهتك؟؟  وكانت العادة تجرى بعزلهم عن فكر المجتمع في ثلاث صور، فإما النفي أو السجن أو التصفية الجسدية (ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله). وينطبق على صاحب الفكر قانون الدجاجة المجروحة، فعندما تكتشف الدجاجات أن إحداهن مجروحة ؛ تُهرع إليها فتنقر مكان الجرح النازف حتى الموت، ولكن القدر التاريخي يبدو أنه يسير في مسرى آخر، في غير هذه الصورة القاتمة، بل إن التغير الاجتماعي يحدث ضمن دورة مختلفة، ترسي في النهاية لصالح الفكر التغييري الأصلح، ضمن جبروت القانون الالهي بأن الزبد يذهب جفاءً وماينفع الناس يمكث في الأرض. ودفاع المجتمع عن أفكاره مبررٌ في قسم منها والا تعرض المجتمع لهزات لانهاية لها مع نزوات البشر بدون نهاية، ولكن صمود وأحقية الفكر التغييري هو الذي يعطيه طاقة الصمود والتحدي والصبر حتى تجاوز معصرة المحنة والتطهر من خلالها، ونقل المجتمع الى عتبة جديدة أكثر تقدمية. وأياً كانت صحة قصة تسميم ديكارت فالتصفية الجسدية لأهل الفكر ليست جديدة ، حتى إن القرآن عندما أشار الى نفي الصلب عن المسيح كان ـ في تقديري ـ ينطلق من خلفية أهم من كونه مات على الصليب أو قُتل بطرق أخرى، فالقرآن يشير الى أن كثيراً من الأنبياء قتل، وليست جديداً محاولة صلب أحد الأنبياء (وقتلهم الأنبياء بغير حق). في تقديري كانت حركة القرآن لنفي قصة الصلب وصولاً الى تحييد العقيدة التي قامت عليها قضية الصلب: أي التثليث وألوهية المسيح، أكثر منها لنفي الطريقة التي قتل فيها ، بسبب ارتباط العقيدة بطريقة القتل . هوامش ومراجع:   (5) يراجع كتاب عندما تغير العالم ـ تأليف جيمس بيرك ـ ترجمة ليلى الجبالي ـ عالم المعرفة رقم 185 ـ ص 196 (6) نفس المصدر السابق ص 201  
اقرأ المزيد
هل مات ديكارت مسموماً ؟ (2) 
والآن ما الذي قاد ديكارت الى السويد ليلاقي حتفه فيها!!   في خريف عام 1649 م أرسلت ملكة السويد كريستينا (ابنة الملك جوستاف أدولف)(GUSTAV  ADOLF) ضابط كبير برتبة أدميرال الى الفيلسوف المتواري في هولندا والذي كان يُروى عنه دوماً  المثل: (عاش سعيداً من توارى في الظل وأمعن في الاختفاء عن الأنظار) تطلب منه المثول إليها الى استوكهولم لتتعلم على يديه (فن التفكير الصحيح)؟! كان ديكارت يومها يعيش في هولندا متوارياً، يغير بيته أربع وعشرين مرة في أقل من عشرين عاماً، قد سمع بأهوال محاكم التفتيش والمصير الذي تعرض له الفيلسوف والعالم الأيطالي (جاليلو)، كما أن حرق جيوردانو برونو الذي دُشِّن به القرن السابع عشر حين أحرق حياً في ساحة عامة في روما، في عام 1600 للميلاد، عن عمر يناهز 52 سنة بعد سجن وإذلال لفترة ثماني سنوات؛ جعلت ديكارت يلجأ الى هولندا التي انتشر فيها روح التسامح الديني، فكان يسافر الى فرنسا بين حين لآخر لتدبير أموره المالية، ليعود الى هولندا يعيش حياته الخاصة بعيداً عن الناس في صحراء اجتماعية، ولكن في جنة فلسفية. وفي هذه الدوحة الفلسفية كان يقطف ثمرات يانعة للفكر الانساني، وفيها أنضج معظم أفكاره فكتب معظم مؤلفاته بما فيها أعظم كتاب له، الذي اشتهر به وهو (المقال على المنهج) الذي أرسى فيه القواعد الأساسية للوصول الى الحقيقة في العلوم. الشك أداة معرفية للوصول الى اليقين !!     كان ديكارت يطمح الى الوصول الى الوثاقة واليقين التي تتمتع بصلابتها الرياضيات، بحيث يؤسس بقية العلوم على هذه القاعدة من اليقين، وكان كتابه (المقال على المنهج) في إطار توليد اليقين من أرضية الشك . كان الشك الذي استولى على عقل ديكارت كبيرا رهيبا، بحيث قاده الى قطيعة معرفية مع عقلية العصور الوسطى؛ فشطَّب دفعة واحدة الآراء المسيطرة في المجتمع. وشق الطريق الى اعتماد المحاكمة العقلية سبيلاً للفهم أكثر من الآراء المسيطرة، فليس هناك من وسيلة لقتل العقل مثل التقليد واتباع آراء الآباء، كما نعى ذلك القرآن على كفار قريش (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون) ومضى به الشك كما حصل مع الإمام الغزالي سابقاً، حينما اهتزت عنده حتى الضروريات والمحسوسات. كان يخاطب نفسه إذا كان كل الشعور موجوداً في المنام ولايزيد المنام أن يكون وهماً كاملاً!! فما الذي يضمن لي أن لاتكون الحياة برمتها نوعاً من الوهم الخادع على صورة منام كبير؟! وإذا كانت الحواس تخدع، والمعرفة تاتي عن طريق الحواس، فكيف يتأتى لي أن أصدق هذه المعلومات المتدفقة الى عقلي وطريقها هو الحواس؟!   استمرت رحلة الشك حتى مرض الغزالي؛ فكاد أن يهلك كما روى في كتابه المنقذ من الضلال، وأما ديكارت فلم يمت ولكن دماغه كاد أن ينفجر في ليلةٍ حاسمة غيَّرت مجرى حياته بالكامل، في شتاء قاسي، وحرب الثلاثين عاماً الطاحنة تزهق أرواح الناس على الأرض الألمانية. ليلة ديكارت التاريخية:  ابتدأت حرب الثلاثين عاماً الدينية على الأرض الألمانية في عام 1618م، ولم تنته إلا عام 1648م، بعد ثلاثة عقودٍ كاملة قتل فيها الملايين من الناس من كلا الجانبين والمذهبين، من البروتستانت والكاثوليك، وعم الخراب، وانتشرت المجاعة، وتحولت ألمانيا الى أنقاض اشتركت فيها جيوش شتى من كل القارة الأوربية، ولم تُترك فظاعة الا ارتكبت، على عادة الحروب الأهلية. ولكن أشد من عانى يومها، كان الشعب الألماني الذي مات منه ذبحاً قرابة الستة ملايين ونصف، من أصل تعداد سكان يصل الى عشرين مليوناً فقط، مما اضطر الكنيسة يومها الى استصدار قرار اشتهر بقرار نورمبرغ، أباحت فيه تعدد الزواج استناداً الى قصص العهد القديم، لتعوض النسل المنقرض، ولم تنتعش ألمانيا الا بعد مرور ثمانين عاماً (3). ويصاب الانسان بالعجب الى حد الانبهار، كيف تولدت أفكار المنهج عند ديكارت في جو حروبٍ أهلية واضطرابات من هذا الحجم؟ ففي هذا الجو الجهنمي العجيب يروي ديكارت قصة عجيبة؛ عندما أجبرته الثلوج والبرد الى الاحتماء طيلة الشتاء الى غرفة دافئة، لايعكره فيه هوى ولاهم او حزن، حتى كانت ليلة عمد فيها الى التفكير؛ فكاد دماغه ان يحترق من وهج التفكير (كما يروي)(4) ثم جاءه مايشبه الوحي من التفكير بحيث انفتحت أمام بصيرته الطريقة الجديدة في قيادة العقل الى الأحكام الصحيحة. إن ديكارت عندما شك في كل شيء وصل الى طرح هذا السؤال: إذا كنت أشك في كل شيء، فهل هناك شيء ولو كان وحيداً منفرداً لا أشك فيه يقيناً؟ كانت اللمعة العجيبة التي التمعت في ذهنه: نعم قد أشك في كل شيء، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه يقيناً هو أنني أشك، والشك تفكير، فهناك إذن حقيقة أساسية هي أنني أفكر لأنني أشك، وعندما أفكر فأنا موجود، على صورة من الصور، أي أن هناك حقيقة لوجودي على شكلٍ من الأشكال، فحقيقة التفكير تعني أني موجود على صورة من الصور. ومن هنا أطلق ديكارت عبارته التاريخية: أنا أفكر أنا موجود.    هذه الفاتحة المدهشة في نقلةٍ عقلية بسيطة، ولكنها في مثل ثقل الجبال، هي التي ساقته فيما بعد الى تأسيس الفكر المنهجي التحليلي اللاحق، الذي اشتهر به، عندما أرسى المربعات الفكرية الأربعة المعروفة : ـ لا أقبل شيئاً مالم يكن في غاية الوضوح ـ  كل قضية مركبة تحلل الى عناصرها الأولية ـ  بعد حل العناصر البسيطة يعاد تركيب القضية ـ  تجرى عمليات النقد الذاتي والاختبار للتأكد من كافة مراحل العمليات العقلية لإحكام ضبطها. هوامش ومراجع:   (3) يراجع بالتفصيل عن كارثة الحرب هذه كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت (4) كتاب المقال على المنهج ـ ترجمة محمود محمد الخضيري ـ دار الكاتب العربي للطباعة والنشر بالقاهرة، ويعد هذا الكتاب من روائع النثر الفرنسي، وقوته هي من بساطته وسحر الأدب الذي يغلف كلماته
اقرأ المزيد
هل مات ديكارت مسموماً ؟ (1) 
بمناسية مرور 400 اربعمائة سنة على ولادة فيلسوف التنوير  الفرنسي (رينيه ديكارت)(RENE  DESCARTES) الذي اعتمد آليات الشك لتمحيص الحقيقة، وألقى في القارة الاوربية بذور النهضة العقلية، تقدم صحفي وطبيب ألماني هو (آيكه بيس 54 عاما)(EIKE  PIES 54) بتحقيق هز فيه الأوساط الاكاديمية، يزعم فيه أن الفيلسوف  ديكارت لم يمت من برد السويد بالتهاب رئوي؛ بل بالحري مسموماً بجريمةٍ مدبرة، تم ترتيبها بين مبعوث الفاتيكان الذي كان يقوم بمهمة إقناع ملكة السويد بترك المذهب البروتستانتي والتحول الى الكثلكة، وبين منافسين لديكارت داخل البلاط الملكي يعملون في حقل الفيلولوجيا (PHILOLOGY)(1) .   وهي تذكر بقصة حديثة نشرتها قناة الديسكفري العلمية عن طبيب أسنان سويدي أماط اللثام عن الطريقة التي أنتهى فيها نابليون مسموما أيضا بالرزرنيخ، وعلى يد أقرب الناس إليه في جزيرة هيلانا، بعد أن نفحه خمسة ملايين فرنك، وكان الأخير قد دفع زوجته إلى أحضان الامبراطور فحبلت وولدت بطفلة أخذت اسم نابليونة!! عرف ذلك يقينا أثناء نقل جثمان نابليون من المقبرة بعد 14 عاما فكان كما هو وكأنه دفن البارحة فظن القوم أنها معجزة للقديس نابليون، ولكن الطبيب السويدي ومن خلال بقايا خصلات شعر الجنرال عند محبيه عرف أنه مات مسموما وبالتدريج بالزرنيخ مع جرعات الخمر. ولعل نهاية الأسكندر الذي مات شابا كانت قريبا من هذه الطريقة. ولكن الذي مات بالسم علنا كان سقراط حين حكمت عليه ديموقراطية أثينا بتجرع سم الشوكران!! ويقال عن تسميم أبو حنيفة والحسن بن علي والأمام العادل عمر بن عبد العزيز أنهم أنهوا حياتهم أيضا موتا بالسم غيلة.. ولد الفيلسوف ديكارت في (لاهي) وهي بلدة صغيرة في منطقة التورين (TOURAINE) بفرنسا عام 1596م (2) وفي عام 1650 م اختتمت حياته عندما أعلنت ملكة السويد (كريستينا)(CHRISTINE) نبأ وفاته بالتهاب رئوي حاد عن عمر يناهز 54 عاماً. ترك ديكارت خلفه أثراً مزلزلاً ومازال في مفاصل العقل الانساني الجمعي؛ فديكارت يعتبر اليوم محطة عقلية لكل من يرتاد حقل الفلسفة، أو يريد التعرف على التحولات العقلية الكبرى فيها، وكل من جاء بعده ممارساً للفكر؛ لابد أن يتأثر بالطريقة التي طرحها بشكل أو بآخر، فيعتبر أهم ماكتب الفيلسوف سبينوزا من بقايا بصمات ديكارت عليه، فرسالته في (تحسين العقل) ينحو منحى ديكارت في كتاب (المقال على المنهج) كما أن رسالته الهامة الثانية عندما أراد أن يفهم الأخلاق بشكل هندسي (الأخلاق مؤيدة بالبرهان الهندسي) هي من آثار ديكارت في فهم كل شيء في الكون بشكل ميكانيكي. والآن ما الذي أثار شبهة موت ديكارت مسموماً بالزرنيخ؟   كان مفتاح هذه القصة الخطاب الذي تبادله اثنين من الاطباء فأما الأول فهو طبيب البلاط السويدي، الدكتور (يوهان  فان فوللن)(JOHANN  VAN  WULLEN) الذي عاصر لحظات ديكارت الأخيرة وتطور مرضه في الأيام الأولى من شهر فبراير من عام 1650 للميلاد، في استوكهولم عاصمة السويد، وأما الطبيب الثاني الذي عُنوِّن له الخطاب ولم يتسلمه قط فهو طبيب عاش في القرن السابع عشر، وهو جد بعيد للدكتور (آيكه بيس) الذي أثار الموضوع في مدينة فوبرتال (WUPPERTAL) الألمانية، وكان يومها الطبيب الخاص للأمير (يوهان  موريتس  فون  ناساو - زيجن)(JOHANN  MORITZ  VON  NASSAU -  SIEGEN) . هذه الوثيقة البريئة !! وقعت في يد الدكتور والصحفي (بيس) والتي كانت نائمة في أرشيف جامعة (ليدن من هولندا)(LEIDEN) كل تلك القرون؟!! ولكن لماذا استقرت في هولندا ولم تصل ليد الدكتور (ويليم بيس)(WILLEM  PIES) الجد الأعلى للدكتور (آيكه بيس) المقيم في فوبرتال ؟!! كانت الرسالة وثيقة مريبة عن وصف حالة فيلسوف التنوير ديكارت وهو في سكرات الموت، فالدكتور السويدي الذي كان يسجل يوميات انهيار صحة الفيلسوف بأعراض لاتُخفي مظاهر التسمم بالزرنيخ، مثل البول المدمى واللعاب المسود الغزير ودوران العينين التائه، ونوعية تقطع التنفس، المشير للتسمم الحاد بالزرنيخ، كما أن ديكارت نفسه ارتعب من جو المكائد التي هرب منها طول حياته فلحقته الى السويد. وهو الذي كان يقول عاش سعيدا من بقي في الظل. ويبدو أنه أدرك أنه وقع في المصيدة، فطلب بعض الأدوية التي تحرض عنده الاقياءات، كي يتخلص من السم اللعين، ولكن يبدو أن جرعة أخرى لحقته في اليوم الثامن من كربه فألحقته بالقبر. الدكتور (آيكه بيس) فتح الباب الى قصةٍ مثيرة من القصص البوليسية التاريخية، فبمقارنة الخطاب المرسل من طبيب لآخر، وباستعراض مظاهر المرض التي بدات مع اليوم الثاني من شهر فبراير من عام 1650 م والتي أنهت حياة الفيلسوف ديكارت في اليوم 11 منه في الساعة الرابعة صباحاً، افترض أن جرعة السم الأولى أعطيت له مع جرعة النوم، وأما الثانية فكانت للقضاء المبرم عليه في اليوم الثامن. ويبقى لإثبات هذه الفرضية الاجرامية التاريخية الوصول الى المتبقي من عظام الفيلسوف لفحصها عن طريق الطب الشرعي، فسم الزرنيخ يبقى في العظام فلا يزول، ويمكن التاكد منه بفحص الجمجمة مثلاً. هوامش ومراجع: (1) تم نشر الخبر في مقال مطول في مجلة الشبيجل الألمانية في قسمها الثقافي، وأشارت المجلة المذكورة الى طبع كتاب في هذا الصدد للدكتور (آيكه بيس) الذي وضع له عنواناً (حادثة قتل الفيلسوف ديكارت) ـ  مجلة الشبيجل العدد 32 عام 1996 م ص 160 ، وتم تكرار القصة مرة أخرى في الشبيجل العدد 46 عام 2009م ص 160 وعلم الفيلولوجيا هو العلم الذي يعني بتحقيق اللغة والنصوص اللغوية، وكان ديكارت يعتبر عملهم مضيعة للوقت يومها قبل تطور وثورة علم الالسنيات الحديثة (2) قصة الحضارة ـ ويل ديورانت ـ الجزء 30 ـ ص 321
اقرأ المزيد
متى نفهم إسرائيل ؟ (2)
الوضع العربي هذه الأيام كارثة والجسم العربي يتفسخ بسبب موت مقيم وهي حال الجثث حين تموت. وأعجبني النيهوم الكاتب  الليبي حين يقول الفرد العربي لاغبار عليه من طبيب ومهندس ومقاول ولكن شبكة العلاقات الاجتماعية مقطعة. فهذا هو المجتمع هو ليس كومة أقراد بل شبكة علاقات اجتماعية. والغرب الحالي قوته من شبكة العلاقات أما الأفراد فلا يختلفون عن الأفراد عندنا.   ومما روى لي زيرك الكردي أنه هرب من كردستان العراق إلى تركيا فاليونان وهناك ألقوا القبض عليه ولكنه عومل معاملة (أوربية) فلم يعذب ويهان، وسلم ليد المسلمين الأتراك فبقي أياما في العراء تحت المطر بدون طعام فتحول إلى زاحف يزحف على بطنه. ثم رأى بعينه كيف يهوي الجنود الأتراك بالعصي الغليظة على يد المتسللين يكسرونها حتى لا تنفع في تسلل جديد. ومن فارق أوربا ودخل أرض السلاطين العثمانيين وبلاد العربان دخل أرض الشقاء والبلاء والوباء والنحس والحبس. وفي الوقت الذي تسلم إسرائيل الأسرى العرب هناك من أصبح له في السجن في بلد عربي أكثر من ثلاث وعشرين سنة بدون محاكمة. وهناك من دخل السجن بتهمة ثرثرة الانترنيت ففتح موقعاً للمعارضة فأصبح له عاماً بدون زيارة ومحاكمة وهو شيء مضحك لولا أنه يحدث. ورجال المخابرات يعيشون حالياً مرحلة الديناصورات قبل الانقراض العظيم. ولم ينتبهوا إلى أن العلم حطم الجغرافيا. ومع الانترنيت لم يبق حدود. وولى زمان (كتمان العلم). ويمكن لأي كتاب أن يطير على أجنحة إلكترونية بلحظات من قارة إلى قارة. ولكن رجال المخابرات أصبحوا مثل ساحرات العصور الوسطى يقفزون بالمكانس لاصطياد أطباق طائرة تئز فوق رؤوسهم بسرعة الضوء. وعندما يتم تبادل المئات مقابل واحد بين إسرائيل والعرب فهو إعلان لقيمة المواطن العربي عند الأنظمة العربية. وقيمة المواطن في نظر الحكومة الإسرائيلية فمتى نفتح عيوننا على الحقائق فلا نهلل للنصر المبين بل نبكي على أنفسنا وذلنا في العالمين. متى نرى إسرائيل أنها من (الداخل) دولة ديموقراطية، ومن يعيش في ظلها يناقش رسالة الدكتوراة من خلف قضبان السجون بالتلفون. وأن سجون إسرائيل عامرة بالكتب أكثر من دواليب الفلق في أقبية المخابرات العربية. وأنها من (الداخل) أصلح من كثير من الحكومات العربية لشعوبها. وأنهم أشداء على العرب رحماء بينهم؟ وأن  العرب تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون؟ وان هناك من يخرج من المحطة الفضائية من داخل إسرائيل فينتقد أكبر رأس سياسي فيها. ومن يتجرأ عندنا فيفتح موقعا للمعارضة في الانترنيت يسجن سنة بدون زيارة وكرامة.  ولكن من يقول هذا يعد خائنا خبيثاً. ومن يطالع الأخبار يصاب بالصدمة مثل الفنان الذي ترسله حكومة عربية إلى أفضل مصحات العلاج خارج الوطن لمرض يمكن معالجته بمشافي من الدرجة الثانية عندنا. لأنه ممثل بارع يتقن النفاق فيخرج أفلاماً في عظمة حكام العرب وحكمتهم اللامتناهية. في الوقت الذي لا يجد المواطن العادي نفقة دخول مستشفى من الدرجة الخامسة؟  فمتى نفتح عيوننا على عيوبنا وننتقد أنفسنا؟ قد يكون حزب الله وأمثاله في قدرتهم طرد إسرائيل كما فعل المجاهدون الأفغان مع من هو أعظم من إسرائيل مائة مرة؛ فالاتحاد السوفيتي كان يملك من الأسلحة النووية ما يمسح أفغانستان من خارطة الوجود مائة مرة، ولكنه هزم على يد أناس تدربوا على القتل. ولما خرج الاتحاد السوفيتي أقاموا دولة الطالبان فأهلكوا الحرث والنسل. ودمروا أفغانستان عشر مرات في سنة واحدة ما لم يفعله الروس في عشر سنين. ووصل أذاهم إلى الأحياء وتماثيل الأموات. وحزب الله اشترك في طرد إسرائيل ولكنه نموذج مكرر للمجاهدين الأفغان من حجم ترانزستور. فمن يفهم القتل وسيلة للتغيير ليس بمقدوره بناء الديموقراطية. وهذا الأمر يختلط على الكثيرين فيظنوا أن القتل والتفجير هو وسيلة التغيير.واليوم انتقلت موضة الانتحار الفلسطينية إلى الرياض واستانبول. وأسلوب حزب الله نصح به بعض السياسيين الذين لا يرون أبعد من أرنبة أنفهم مثل من ينصح مريض القرحة بتناول الأسبرين. وقد يتخلص المرء من الصداع بتناول قرص الأسبرين ولكنه عند مريض القرحة يقتل بالنزف. وإسرائيل في لبنان ليست إسرائيل داخل أرض الميعاد. وقتال أفراد من الجنود في شريط حدودي ليس مثل  مواجهة أمة تعد ستة ملايين فلا يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون؟ وعلى فرض أن تخلص العرب من إسرائيل فخسف الله بها الأرض فلن تنتهي خلافات العرب وصراعاتهم. وزوال إسرائيل لا يعني زوال مشكلات العرب. وولادة دولة عربية جديدة يعني زيادة الدول القمعية في المنطقة دولة. فيزداد مرض العرب مرضا. فيجب أن نفتح عيوننا على هذه الحقيقة المفزعة. ما دفع البعض من الفلسطينيين اقتراح فكرة دولة واحدة بقوميتين ونهاية فكرة دولة فلسطين. متى نستوعب أن مشكلتنا داخلية وأن الصراع العربي العربي هو الجوهري والأساسي وأن الصراع العربي الإسرائيلي هو الهامشي والجانبي. مثل حصول الخراجات عند مريض السكري. وأنه لولا انهيار الجهاز المناعي العربي ما ولدت إسرائيل. وعندما يتعافى الجسم العربي فلن تزيد إسرائيل عن فورموزا الشرق الأوسط. وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
اقرأ المزيد
متى نفهم إسرائيل ؟ (1) 
العرب مع إسرائيل في حالة عجيبة كانت وما زالت من القفز بين معادلتين بعشرة مجاهيل؟ فهي في يوم دويلة العصابات وهي في يوم تنين نووي؟ وهي ليست بذاك ولا ذلك. هي محصلة طبيعية لانهيار الجهاز المناعي العربي، وانهيار الدولة العثمانية السابق. وأذكر جيدا من فيلم لورانس حين جرى النقاش بعده وكنت يومها في ألمانيا فقال المعقب أن إسرائيل لم تكن لتولد لولم تنهار دولة آل عثمان التي كانت تملك مصير الشرق الأوسط؛ فبعد هزيمتها في العراق دخل الجنرال اللنبي إلى القدس ثم بدأ المسلسل المستمر حتى اليوم.  ومن أعجب مايصلني أن هناك أنبياء كذبة يتنبأون أن نهاية دولة إسرائيل ستكون في ربيع هذا العام 2022م، والسؤال ماذا لو لم تتم النبوءة؟ والجواب سهل فهذا النبي الجديد سوف يقول لم تفهموا علي تماما؟ فالزوال لاتعني أن يخسف بها الأرض وتختفي من الخارطة! بل تعني الانتقال من حال إلى حال كما يقول المغاربة عن الوقت بعد الزوال. وهناك فلسطيني رجل أعمال (غالبا من الشفارة) اسمه من فصيلة حيوانات الغابة، أطل علينا بإطلالة قال فيها أن حربا قادمة بين الصين وأمريكا قادمة وكانت تكهناته أنها ستكون في نهاية عام 2020م قالها وبتعبيره الغبي (شوية صواريخ). وطبعا فالمنجمون أكثر من رمال تندوف. وكذلك الحال مع التكهن بأن دولة بني صهيون سوف تختفي من الخارطة مع ربيع 2020م؟ وهذا يحيلنا إلى مسألة أصولية وهي أننا حتى اليوم لم نفهم دولة بني صهيون بدقة، وأذكر جيدا من  ذكريات عيد الأضحى لعام 1424هـ حين تم تبادل أكثر من 400 أسير عربي مقابل عسكري إسرائيلي واحد حي وثلاث جثث تم التأكد منها بفحص الحامض النووي؛ فهلل العرب للنصر المبين؟ وهو في حقيقته ذل مقيم بأن الأموات الإسرائيليين أفضل من الأحياء العرب؟ وفي نفس العيد الحزين خرج أكثر من مائة من سجن عربي بعد سنين طويلة من الذل منهم رجل أمضى في السجن 29 سنة. فلم يهلل أحد لأن كل البلد سجن. ومن كان خارج السجن لا يفترق كثيرا عمن هو داخل السجن فالكل يرزح في سجن كبير بقضبان من الخارج وقضبان داخل الضمير. وحاليا رغيد الططري مسجون في سجون البعث منذ 42 سنة بدون تهمة ومحاكمة. وروى لي صديقي (زيرك) الكردي أن رجلا خرج من سجن صدام بعد ستين سنة فلا يذكر سوى الملك فيصل الأول، ولم يعرف ماذا حدث بعد ذلك فكانت دهشته مثل دهشة أصحاب الكهف الذين أرسلوا أحدهم بورقهم فاكتشف الناس أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا. ومما روى لي أن حملة الأنفال أخذت اسمها من القرآن ولكن فعلها كان من أبالسة الجحيم فقتل من الأكراد قريبا من مائتي ألفاً. ومسحت خمسة آلاف قرية كردية نقل أهلها إلى محميات كما فعل ستالين مع الشيشان والأمريكيون مع الهنود الحمر. ولكن صدام اختلف عنهم بأبشع من الصرب في سيبرينسكا فقتل من قبيلة البرزان سبعة آلاف ثم نقل النساء إلى معسكر بغرف يدخل على النساء من يشاء من عبيد صدام لمدة أربع سنين فخرج من الأطفال (النغولة) من  لا يعترف عليهم أحد سوى أمهاتهن اللواتي تبرأ منهن الجميع فلا يحسن سوى الدعارة اليوم. وذنب هؤلاء النسوة مغفور ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم. وذنب أولئك الأبالسة غير مغفور.وأحسنت جريدة الشرق الأوسط صنعاً وهي ترسم الكاريكاتور لسجين عربي أطلقته إسرائيل يحتضنه شيخ وبجواره رجل المخابرات العربي ينتظره بـ (الكلبشات) وهو يبتسم؟ وما حصل في إطلاق أسرى العرب يعني في علم (السياسة) أن إسرائيل رضت لنفسها ظاهرياً الذل لتفدي المئات مقابل فرد واحد. ولكن الأمي لا يفك الخط ولو كان من أحب الناس وأبغضهم إليه. فالرسالة يقرأها من يحسن القراءة. وإسرائيل تتكلم بلغة لا نفهمها نحن الأميين؟ و(الحدث) يعني في علم (الرياضيات) أن إسرائيل اعتبرت أن ثلاث جثث وحي واحد يساوي في الميزان أي عدد آخر من العرب ولو بلغ المئات والآلاف. وهو يعني في علم (المنطق الأخلاقي) أن حياة الإسرائيلي ولو كان عربي الأصل غالي جدا في الميزان. مقابل الإنسان العربي المهان في بلاد العربان، كما حدث مع (ماهر عرار) العربي الأصل كندي الجنسية الذي ذاق العذاب المهين على يد بني العروبة في بلده الذي هرب منه (سوريا) فهو يقيم دعوى قضائية ضد بلده الذي هاجر إليه كندا (في النهاية أخذ تعويض من الحكومة الكندية بمبلغ 12 مليون دولار فهو يلاحق الان الحكومة الأمريكية التي سلمته لسوريا)؟ ولم ينقذه إلا الكنديون. وهو تطور مهم أن من يعتقل لم يعد نسيا منسيا بل أصبحت قضيته تحت المجهر. وأمريكا التي سلمته اقترحت عليه أن يتطوع بنقله  إلى سجن بلده الأم العربي (سوريا) الذي ولد فيه فصاح فيهم أرجوكم خذوني إلى أي مكان و لا هذا المكان قالوا له لماذا؟ قال العذاب الأليم؟ ولولا جنسيته الكندية وتدخل الحكومة الكندية للبث في السجن بأكثر من سني يوسف وأشد من عذاب النبي أيوب. أني مسني الشيطان بنصب وعذاب.          
اقرأ المزيد
ديكارت مقلوباً (3)  (أنا موجود أنا أفكر)  (بحث ظاهرة الأنا في مؤتمر العلوم العصبية) 
فكرة مفاتيح الدارات العصبية:   يبدو أن فهم الدماغ يمشي في اتجاهين الأول: هو المزيد من فك أسراره سواء المناطق التشريحية أو أثر الكيمياء في التصرفات أو مركز اللغة، والاتجاه الثاني هو استحالة الاحاطة بكامل الدارات العصبية الموجوة في دماغنا، فالخلايا العصبية التي تصل الى مائة مليار خلية تتضافر فيما بينها بشبكة مخيفة من الارتباطات، بحيث أنها تشكل دارات لايمكن الاحاطة بها، ولعل رقم (الجوجول)(GOGOL) الذي يتحدثون عنه  والذي هو عشرة قوة مائة، هو رقم تقريبي لا أكثر للدارات العصبية الموجودة في دماغنا والتي تشكل تركيبنا. مقارنة بين تركيب الكروموسوم والدارات العصبية في الدماغ:   لفهم التعقيد المخيف في دماغنا يستحسن نقل ذلك الى المقارنة مع أعقد التركيبات البيولوجية المسؤولة عن الوراثة في كياننا والتي تبلغ حوال ثلاثة مليارات حامض نووي (الحامض النووي). إن تركيب الحامض النووي يبقى في غاية البساطة مع تركيب ضفيرة النورونات. فالحامض النووي يتشكل من تتابع لأحماض أمينية أربعة هي الادنين والسيتوزين والغوانين والثيمين، ويرمزلها بالحروف (ت ـ س ـ غ ـ أ A-C-T-G) وهذه الحروف الأربعة تشكل لغة الخلق البيولوجية، ويمكن لها أن تتالى على غير نظام مثل (AAA-T) أو (TCGA) وهكذا واجتماع عدد ينقص أو يزيد من هذا التتابع لهذه الحروف يسمى (جين)(GEN) وهو المسؤول عن بناء عضوي معين في البدن، مثل الانسولين الذي يحرق السكر أو هورمون الغدة الدرقية الذي يشعل الفعالية في البدن ولكن الدارات العصبية هي حروف مبعثرة تبني ارتباطات عشوائية لانهاية لها، وهي ليست عشوائية، بل كل دارة تولد معلومة أو لعلها تفرز عاطفة، أو تحث على شعور ما؟ ويكفي أن نعلم أن كل جزيئات الوجود لاتزيد عن عشرة قوة 88، وبذلك تكون الارتباطات في دماغنا أعقد وأعظم شيء في الوجود(8). موضعة الوعي والمراكز العصبية:   هذا الفهم للدارات العصبية يفتح الباب على انقلاب نوعي في فهم أماكن الاصابات العصبية، فلايعني خراب مكان بعينه أنه هو المسؤول عن الوظيفة الضائعة، تماماً كما في توقف السيارة عن السير لنضوب البنزين فنظن أنها بسبب تعطل المحرك، وهي الابحاث التي تقدم بها النفساني البريطاني (ريتشارد جريجوري) في نظرية جديدة لمواضع الوظائف ومعنى الوعي عند الانسان. وشرح ذلك في مقال مبني على الأصول ضد التموضع ويضرب لذلك مثلاً (إنه من المستحيل تقدير آثار إصابة نوعية دون معرفة كيفية تشغيل أجزاء الدماغ مجتمعة ولنأخذ مثلاً: حالة ماكينة مجهولة نحاول فهم طريقة تشغيلها وذلك بواسطة فك قطعها بشكل اصطفائي واحدة تلو الأخرى، فإذا نزعنا منها جزءً معينا مثلاً خزان الوقود فتوقفت الآلة، حينئذ يمكننا بشكل ساذج أن نستنتج، إذا لم نكن قد رأينا سيارة من قبل، بأن آلية الدفع في هذه الماكينة هي الخزان. ويبدي جريجوري الملاحظة القائلة بأن المشكلة لاتنطرح فيما لو كنا نعرف الآليات المعقدة للمحركات الانفجارية، ونحن في حالة الدماغ لسنا في هذا الموقف؛ إذ أننا لانملك نظرية وطيدة عن التشغيل الطبيعي للدماغ، ولذلك فإن تأويلات المعطيات المستمدة من الاصابات العصبية الدماغية يمسي عسيراً )(9) الغابة الدماغية والتيه العلمي:   عجز المشرحون عن التحقق الفعلي من المراكز العصبية ومكان الوعي والارادة، واحتار علماء النفس في تفسير أحلام التحقق وظواهر الباراسيكولوجيا، ولم يفهم تماماً كيف تتحول موجات الكهرباء الى ألوان بعينها مترجمة في الدماغ. لم يفهم تماماً آلية ترابط المشاعر مع الأفكار فيبدو أن هناك نوع من الترابط المحكم يضيع مع تدمير بعض الممرات العصبية. تخلخل البناء النظري الذي وضعه ديكارت سابقاً في ثنائية الروح والبدن، فهناك نوع من الضفيرة المحكمة بين النفس والجسد، فالروح تتنفس من خلال البدن والعكس صحيح. ولغز العقل والوعي مازال قائماً.   مراجع وهوامش :   (8) كتاب اللغة والفكر ـ تأليف تشارلز فورست ـ ترجمة محمود سيد رصاص ـ الفصل الأول ص 6 (9) نفس المصدر السابق ص 216 .  
اقرأ المزيد
حقوق النشر محفوظة ، خالص جلبي 2025  
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram