-

الجنس والثقافة (3) 
لقد كسر العلم الجغرافيا وحطم الرقابة ولكن قانون الله هو الذي سيثبت في النهاية فيذهب الزبد جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال. وعندما بدأت أفلام الجنس SEX) ) في الغرب غصت الرفوف بها فلا ترى الا العري. وانطلقت موجة الستربتيز في الستينات من بريطانيا فزكمت الأنوف وشكلت أشرطة الفيديو 80?% من خزائن النوادي حسب احصائيات مجلة (در شبيجل) الألمانية، وبعد عدة سنوات انكسرت حدتها وتراجعت موجتها الى 20% ثم تحولت الى ظاهرة مخيفة بين (الجمود) و (الانحراف) فالجنس كالسبع الضاري من حرَّضه أكله. ومن رمى له بقطعة لحم عند جوعته أمنه.  كما ذكر ذلك (ابن مسكويه) في كتابه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق). ولكنها تفعل فعلها السمي اليوم في العالم العربي لأنها تدخل بيئة عذراء غير مهيئة لهذا النوع من الاجتياح  في ظل تابو المجتمع العربي. ولم تتطور الثقافة الجنسية بين الأظهار والأخفاء من فراغ على قاعدة (أرسطو) الذهبية أن كل فضيلة هي وسط  بين رذيلتين. فمع الاباحية يتحول المجتمع الى مستنقع يستحق التدمير فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل. ومع الكبت تنشأ الأمراض النفسية من الهلوسة الجنسية وتحويل كل النشاط الى جنس حتى لو كان ظاهرياً عين التقوى بسبب جوعة الجنس. ويصبح (جسد المرأة) المسرح السياسي لطغيان الرجل وإعلانه الوصاية على كائن متخلف عقلياً في اللباس. ويعلل (مالك بن نبي) في كتابه (شروط النهضة) المعركة حول جسد المرأة بالمزيد من تعريتها أو التشدد في تغطيتها الى نفس الآلية الخفية من الدافع الجنسي لامتلاك جسد المرأة  مع أن ظاهر الأمر يوحي بالتناقض بين الفحش والتقوى، ولكنه في حقيقته واحد مثل الفلم الأسود قبل التحميض والملون لاحقاً. إن الأسود الخفي هو قاعدة الملون الفاقع ولكن أكثر الناس لايعلمون. إن طغيان الذكر علىالأنثى يتبدى في إدعاء الملكية والخجل من ذكر اسم الأنثى وعدم الاستبشار بمولدها ولو كانت أصح من عشرة ذكور، وإذا مشى تركها خلفه لخطوات كما راينا ذلك في العائلات التركية في ألمانيا. وتطل قسمات الدونية في الخجل من ذكر اسمها فهي (الجماعة) أو (العائلة) أو (أم الأولاد) أو (أنت أكبر قدر) كمن يتعفف من ذكر مكان الخلاء. هي لا اسم لها يتم استلامها بالبريد المسجل من الأب الى الزوج ومن المهد الى اللحد. وهناك من يدعي ان المرأة لها ثلاث (خرجات) من الرحم وبيت أهلها الى بيت زوجها ومن بيتها الى القبر ألا إنهم من أفكهم ليقولون. وعند الزواج يغيب اسمها فهي (كريمة) فلان تزف الى الشاب الذي يحمل اسماً ولقباً عريضين. ويسلب حقها من الأرث، ويدفع لها راتبا أقل، وتخشى على نفسها المسغبة عندما يغيض الشباب ويزول الجمال وتطعن في السن فتراهن على عطف بناتها أكثر من حقوقها إذا كان لها بنات. ويمكن للرجل أن يلقي بها في الشارع بطلاق مع متأخر رمزي دراهم معدودة هذا إن دفعت. إن أبعاد الكارثة انسانية وليست عربية فقط  وإن كانت المرأة العربية تبتلع الجرعة السامة منه ولاتكاد تسيغه ويأتيها الموت من كل مكان. مع هذا فإن المرأة في بريطانيا لم تصوت الا في عام 1912 وهي مازالت محرومة في بقاع شتى من هذا الحق البسيط  والطبيعي. وفي بعض الأماكن مازال الزمن متوقفاً عند عتبة الأنثى فتحرم من قيادة السيارة. في الوقت الذي يطير الشباب الأرعن بدون رخصة سوى فحولته ويفحط ألوانا من الأشكال السريالية على رصيف الطرق. محولين الطرقات الى ساحات حرب تنقل الجثث على مدار الساعة. إن مصادرة المرأة كامل بما فيها صوتها البشري فهناك من يعتبر صوتها عورة مع أن القرآن يروي سورة كاملة باسم امراة جاءت الى النبي تشكو وترفع صوتها وتجادل والله يسمع تحاورهما. إنها نكبة ثقافية عندما يصادر القرآن برأي شخص. إذا كان ظلم الانسان لنفسه هو الظلم الأعظم، فهو يؤسس بدوره لفهم جذور المشكلة الانسانية وفهم الظلم الاجتماعي عندما تتصدع الشرائح الاجتماعية الى (مستكبرين) و (مستضعفين) في أي مستوى بما فيه الجنسي. ومصدر هذا الخلل هو طبقة المستضعفين أكثر من طبقة الجبارين المتكبرين. وهذه القاعدة تنطبق على علاقات (المرأة ـ الرجل) فلماذا قبلت الأنثى هذا الاضطهاد الطويل؟  إن علاقات القطبين المشؤومين ( الاستضعاف ـ الاستكبار ) ذات مصدر موحد. كذلك كانت علاقات القوة في المجتمع بخلل هذه الرافعة بين بني البشر. ودعوة الاسلام جاءت لانتاج نسخة بشرية جديدة بالتخلي عن علاقات القوة. فكانت أول من آمن به امرأة، وأول من قتل في سبيل الله امرأة،  ومن تسببت في اسلام ثاني شخصية في الاسلام امراة. وفي الثورة الايرانية كانت المرأة تنزل الشارع جنبا الى جنب مع الرجل في المظاهرات المليونية ولم يمنعها (الشادور) من الاستشهاد فالطريق الى الجنة لايقف في طريقه قطعة قماش. الضعفاء هم الذين يخلقون الأقوياء. والأمم الهزيلة هي التي تنبت الطواغيت. والمستنقع هو الذي يولد البعوض. والغربان تحط  على البقرة الميتة. والقابلية للاستعمار هي التي تمهد للاستعمار. والدول تنهزم بتفككها الداخلي. وتنهار الحضارات بالانتحار الداخلي. هذا القانون يمسك جنبات الوجود  بوتيرة مكررة بدءاً من الذرة الى المجرة ومن أبسط الأفكار الى أعظم الامبراطوريات. والمرأة لاتشذ عن هذا القانون وهي مسئولة عن تشكيل هذا  التراث الخاطيء. ألقي القبض يوماً على امرأة خارجية وجيء بها الى الحجاج فقال لأصحابه ماتقولون فيها؟ قالوا عاجلها بالقتل أيها الأمير. فقالت الخارجية: لقد كان وزراء صاحبك خيراً من وزرائك. قال: ومن صاحبي؟ قالت: فرعون فقد استشار وزراءه في موسى عليه السلام فقالوا أرجه وأخاه.
اقرأ المزيد
الجنس والثقافة (2) 
وهكذا يتفوق الذكر بقسوته وجحوده في الوقت الذي تتفوق المرأة بالرحمة والحب والوفاء. فإذا ماتت عن الرجل زوجته فكروا له بالعروس ولما تدفن الزوجة بعد وزوَّجوه في أيام. وإذا مات عن المرأة بعلها حفظت وده واعتنت بالأولاد وعاشت مدبرة وهي خصلة للغالبية الساحقة من النساء قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله. وإذا عجزت المرأة رماها الى بيت أهلها براتب أو بدونه، وإذا وقع سدت عيبته وسترت عورته ورفعت من تحته قاذوراته حتى الممات.   وينتهي (بيتر فارب) الى مفارقة عجيبة وهي أن الجنس الأنثوي هو الذي يجب أن يسود لأنه: (الجنس الأطول عمرا والأكثر صحة والأقل عرضة للحوادث والمساوي للذكر في الذكاء) ولكن الذي حدث هو العكس.  ولاتتزوج المرأة رجلين في الوقت الذي يعدد الرجل ولو في الكلام والأماني بين المزح والجد وفي لحن القول.  وإذا جاءت الفرصة لم يقصر لأنه الفحل الذي لايسأل عما يفعل وهم يسألون. وعند الخطيئة الجنسية تقتل الفتاة ويكافيء الرجل في مجتمع يقوم على معايير الفحولة أكثر من العدالة. مع أن القرآن وضح حدود الزنا بالتساوي للجنسين ولكن الثقافة عندها قدرة أن تبني مفاهيم أثقل من نجم نتروني وتفرض على الواقع شريعة جديدة تلتوي لها الأعناق بدون وحي. ومع كل عضلات الرجل فالمرأة بنعومتها تتحمل أضعاف مايتحمله الرجل من الألم بدون بطولة ويظهر هذا واضحاً في العمليات الجراحية. وأتذكر هذا جيدا من عمليات المرارة التي كنا نجريها على الرجال والنساء كيف تصمت المرأة وتتحمل، ويزعق الرجل فتهتز الغرفة من صرخاته. ومع كل عضلات الرجل فالمرأة تعمر اكثر منه في المتوسط بـ 6 - 8 سنوات كما تظهر الاحصائيات. والمرأة أكثر حكمة من الرجل بانفعالاته فإذا غشيه ضباب الشهوة وعلته الرغبة الجنسية فَقَد كل عقله ولم يعقب.  ولي صاحب من مدينة الجديدة كان بنصف عقل فلما سقط في أحضان امرأة ألمانية في عمر أمه فقد بقية عقله. وتظهر الصور الساخرة هذه المأساة على صورة فيلسوف يحبو على أربع قد علت ظهره أمراة. ويعتبر ديكارت (أن أعظم النفوس عندها استعداد أن ترتكب أفظع الرذائل ) وهي في هذا الحقل معهودة ومعروفة. وإذا كانت حاجة المرأة للمحرم أحياناً بداعي (الأمن) كم هي في الديانة السعودية فإن الذكر يحتاج دوماً الى محرم كي لاينزلق الى أحضان الأخريات. واعتبرت مدرسة (علم النفس التحليلي) أن (الليبيدو  ( LIBIDO) أي الشهوة الجنسية هي محرك التاريخ الأعظم، وهي من ترهات وخرافات الفرويدية. وإذا كانت (الطاقة النووية) هي أشدها في الطبيعة فهي (الجنس) في البيولوجيا، وكل شيء يفسر من خلالها، ومن يتورط فيها هو الرجل عادة وزين للناس حب الشهوات. ووقف المؤرخون طويلاً أمام أثر المرأة في التاريخ تحت إغراء (أنف كليوباترة). بحيث يعتبر (إدوارد كار) صاحب مؤلف (ماهو التاريخ؟) أن التاريخ ينقلب بهذه الطريقة أمام عدم فهم المرأة الى كيان هلامي يتملص من القوانين ويصبح كائناً رخواً عصياً على الفهم والضبط تتقاذفه الأهواء ويدمدم فيه عالم اللاوعي وهو ليس كذلك ولكنه ضريبة تحييد المرأة. وتدخل المرأة مسرحية (علاقات القوة) حيث يظهر الجنس مختلطاً بالعنف كما تبرزها صناعة السينما بكثير من المساحيق، ومعظم الجرائم تدور حول الملكية في المال والمرأة. وتظهر تعابير (امتلاك) المرأة في ثقافتنا من حيث لاننتبه لأن الوعي يقوم على ظاهرة (الانتقاء) فهي (جوهرة) وبهذا التعبير تخسر المرأة بضربة واحدة آدميتها وتتحول الى عالم (الشيء) و (الممتلكات) لتدخل بأمان الى (خزانة) الرجل العامرة بالأشياء. إنه حتى ممارسة الجنس بما يختلط من عنف هو بقايا غريزة الغابة وهو عملية تعبيرية عن خطف المرأة واغتصابها. لاغرابة أن استفحلت قوة ردة الفعل في المجتمع الغربي فبعد حركةالمساوا(EMANCIPATION)  تبرز الحركات النسوية ـ الفيمينستFEMINIST) ) الى الواجهة وتتحرك في مظاهرات ضخمة لرد الاعتبار. وهذه الحركة (النواسية) بين الفعل ورد الفعل تبدت أيضاً في حركة (الستربتيز) أي الاستعراء. فبعد موجة الرهبنة وحبس الغرائز جاء الدور لانتقامها فحطمت كل البنى القديمة. واليوم تتدفق أمواج الاباحية من الملكوت العلوي على ظهر ثبج البحر الأخضر الالكتروني من المحطات الفضائية فلا يستطيع منعها انس  ولاجان. لقد كسر العلم الجغرافيا وحطم الرقابة ولكن قانون الله هو الذي سيثبت في النهاية فيذهب الزبد جفاء وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال. وعندما بدأت أفلام الجنس SEX) ) في الغرب غصت الرفوف بها فلا ترى الا العري. وانطلقت موجة الستربتيز في الستينات من بريطانيا فزكمت الأنوف وشكلت أشرطة الفيديو 80?% من خزائن النوادي حسب احصائيات مجلة (در شبيجل) الألمانية، وبعد عدة سنوات انكسرت حدتها وتراجعت موجتها الى 20% ثم تحولت الى ظاهرة مخيفة بين (الجمود) و (الانحراف) فالجنس كالسبع الضاري من حرَّضه أكله. ومن رمى له بقطعة لحم عند جوعته أمنه.  كما ذكر ذلك (ابن مسكويه) في كتابه (تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق). ولكنها تفعل فعلها السمي اليوم في العالم العربي لأنها تدخل بيئة عذراء غير مهيئة لهذا النوع من الاجتياح  في ظل تابو المجتمع العربي.  
اقرأ المزيد
الجنس والثقافة (1) 
العطش الى (القوة) والمزيد من امتلاكها مرض ذكوري. هذا ماقرره بروس كارلتون Bruce charlton)  الخبير في علم (التطور). والذكور هم الذين يشنون الحروب. والذكور هم الذين يتحاربون فيَقْتلون ويُقتَلون. والذكور هم الذين أنشأوا المؤسسة العسكرية ورسموا قدر المجتمع بمرض التراتبية الهيراركيHierarchy) ) وخططوا كل نظام المجتمع على صورة (الثكنة) كما أشار الى ذلك (غارودي) في كتابه (في سبيل ارتقاء المرأة). والذكور هم الذين شوهوا التطور الانساني برمته برؤية العالم بعين حولاء ذكورية؛ فلايمكن أن يمشي المرء برجل واحدة إلا في أسطورة (شق وسطيح)، ولايمكن أن يرى بعين واحدة الا إذا انعدمت الرؤية الفراغية، أوتحول الى كائن خرافي بعين واحدة كما في قصة (الاوديسة) عند (هوميروس).   جاء في (السيرة) أن شقاً كان بنصف جسم فإذا مشى قفز على رجل واحدة، وأما سطيح فكان  مسطحاً مثل حدوة الحصان بدون مفاصل. والمجتمع (الذكوري) هو الذي دفع المرأة الى شريحة دونية مستضعفة وهي كارثة كونية في كل الثقافات، وفي الثقافة الصينية يعني ضمير المتكم (أنا) المؤنث الى (العبد) وفي الثقافة الهندية تعتبر المرأة خاضعة للرجل من المهد الى اللحد فهو من كتف الاله (فيشنا) وهي من أقدامه. وفي اليابان لم يتقدم المجتمع الا بألغاء نظام الساموراي. وبالمقابل فإن المرأة هي التي بدأت الثورة الزراعية كما قرر ذلك المؤرخ (ديورانت) فأطعمت عائلتها من جوع ودلف الجنس البشري الى الحضارة؛ فلولا الثورة الزراعية ماتجاوز الجنس البشري مرحلة (الصيد وجمع الثمار) بعد أن دامت مئات الآلاف من السنوات، فتخلصت العائلة من خوف الموت جوعاً ومنها نشأت المدن وازدحمت بالسكان وولدت الاختصاصات وتم تقسيم العمل كما شرح ذلك عالم الاجتماع (دركهايم). كل ذلك كان وتم ببركة المرأة، ولكن الذكور بنوا الجيوش والحرب والطغيان ومازال. وإذا كان الحاكم ينفخ في الصور فيقول للعباد أنا ربكم الأعلى؛ فإن الزوج يقلده في البيت فيعلن أنه الأعلى لامعقب لحكمه وهو سريع الحساب. والاستبداد السياسي هو التجلي الأعظم لتراكمات أخطاء البيت واحتكار النصوص بيد طبقة الكهنوت، وخنق التعبير تحت دعوى الخيانة أو الردة، والطغيان يتأسس من خلية العائلة ليظهر في النهاية على شكل تنين سياسي يقذف باللهب على عباد يرتعشون وجلاً خاشعة أبصارهم من الذل. إن مصادرة الأمة على يد فرد وخلفه النخبة الحاكمة الخفية، سبقتها مصادرة الزوجة والولد في بيت الطاغية الذكر (الترانزستور) الزوج الأب. فإذا أنتجت العائلة الانسان الأخرس الخائف هيأت الجو الاجتماعي للخرس الجماعي المطبق وخشعت الأصوات للحاكم فلا تسمع الا همسا. وعليه فلايمكن (أنسنة) المجتمع بدون استعادة المرأة دورها الطبيعي. علينا أن نقرر أن المرأة هي التي تحمل الحياة وتنجب الحياة وتحافظ على الحياة، كما جاء في الآية حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا. وهي التي لاتمارس الحرب فإذا مارسته مثل (تاتشر) و (غولدا ماير) فهي عدوى من (وباء) ذكوري قاتل. المرأة هي مصدر الحب فتخلع معنى على الحياة وتعطيها دفقة الاستمرار، ومع انطفاء الحب ينطفيء معنى الحياة ومبرر وجودها. لأن الحب مشاركة تتجلى في أعظم صورها بالزواج والانجاب وتترك بصماتها على الحياة في ذرية مباركة. والحرب كراهية وارتداد على الذات ونفي للآخر. وحسب (دانييل جولمان) صاحب كتاب الذكاء العاطفي   (Emotional Intelligence) فإن جوزيف لو دو( joseph le doux)  الذي اكتشف (دورة المخ العاطفية) أظهر أمرين: أن هناك ضرب من الذكاء لم ننتبه له حتى الآن وهو غير المتعارف عليه(IQ)  كما أن المرأة بواسطة تركيب دماغها تشريحياً تتفوق على الرجل في هذا النوع من الذكاء. والمرأة (موديل) متطور عن الرجل بحيث تحمل إمكانية أن يتطور الجنس البشري على نحو (انساني) أفضل زكاة وأقرب رحما، ولذلك كان الاستنساخ الجسدي من الأنثى كما حدث مع (دوللي) فمنها خلق وإليها يعود ومنها يخرج تارة أخرى. نحن نعرف من تقنية الاستنساخ أن الذكر لايدخل في العملية وإنما هي كود وراثي يستخرح من أنثى ثم يغطى بلباس من أنثى ثانية ليزرع في رحم أنثى ثالثة. وإذا كانت الأنثى في الاستنساخ هي صاحبة اليد العليما فهذا يقرب لنا أيضا خروج عيسى من رحن امراة بدون ذكر ولقاح جنسي. وتفاءلت السيدة شفارتزر Schwarzer) ) بولادة المجتمع النسائي الانساني بحيث يمكن الاستغناء عن الذكور المخربين نهائياً للمستقبل أو استبدالهم بجنس معدل سلامي. وهي صاحبة مجلة (لا نريد بورنو POR ...NO..) ) وهو عنوان مثير ولكنها تلاعبت بحركة ذكية بالكلمة (بورنو) التي تعني (الاباحية) وحينما قسمت الكلمة الى شقين انقلب المعنى. ويذهب الانثروبولوجي (بيتر فارب) في كتابه (بنو الانسان): (أن الذكر لايفترق عن الأنثى الا بعضلاته) ويستعرض في بحث موسع عن الفروق بين الذكر والإنثى ليقرر في النهاية أنها التستستيرون (Testosterone) أي الهورمون الذكري فهو الذي ينمي العضلات عند الذكور، فأذا تعارك ذكر مع انثى غلب الذكر، ويترتب عليها فروق جامحة من شعور المرأة بالحاجة إلى الحماية وهي النتيجة التي خلص فيها الباحث أن المرأة هي التي مكنت الذكر من اعتلاء سدة العائلة وكان يمكن أن لايكون، بل هو أمر يربى عليه الأطفال من الصغر أنهم أقوى وأفضل من الأناث فتنشا الأنثى في الحلية وهي في الخصام غير مبين.  
اقرأ المزيد
هل كان طول آدم ستون ذراعا؟ الأرض والنصوص  
وصلني بالانترنت صورا عن قوم (عاد وثمود) من جماجم وعمود فقري وهياكل بشرية. ليس هذا هو المهم بل حجم البشر الواقفين بجنبهم وكذلك آلات الحفر؟ فقد ظهر  حجم الجمجمة أكبر من حجم الرجلين الواقفين حذاءها؟ كما ان آلة الجرف الضخمة ضاعت أمام حجم الهيكل؟ قالت لي زوجتي المغربية التي ذهلت من المنظر مارأيك؟ تابعت هل هي حقيقة أم فبركة؟ جوابي طبعا أنها من لعب الفوتو شوب.   وحاليا بلغت السينما درجة من التزويق واللعب بالمناظر، أن أظهرت انشقاق البحر وكأنه أمامنا، والديناصورات وهي تلتهم البشر، والبحر وهو يبتلع مدينة لوس أنجلس في كاليفورنيا. هنا نحن أمام ظاهرة تحتاج إلى التحليل؟ فلماذا يحرص الناس على تعميم هذه الصور في النت؟ حاليا هناك طوفان من المعلومات والوعاظ الشعبيين والشكاكين وأصحاب الدكاكين السياسية. يكفي أن تفتح اليوتيوب لتغرق في محيط لانهاية لشواطئه؟ فوجب وضع الفلترة العقلية لما يرى الإنسان ويسمع؟ ليست فقط هذه الصور التي يمكن فضحها بسهولة، بل هناك تناقل معلومات مغلوطة أو مفبركة أو مضخمة أو محرفة، من كل فاكهة زوجان. لماذا نشر هذه الصور الآن بالتحديد؟ قلت لزوجتي هذه ليست جديدة علي؛ فلقد شاهدتها منذ فترة، حتى جاءني من كشف طريقة التلاعب بالصورة، ولكن أصحاب (النصوص) يريدون نسبها إلى أحاديث يجب أن (تراجع) أن خلق آدم كان أطول من عمارة شاهقة؟. ولكن المدهش هو بالأفلام التي تنتج من مكان لتروج في مكان؟ وهي في الصراع السياسي شيء مذهل؛ فالحرب السياسية أحيانا تدار بالفؤوس، ولكن في كثير من الأحيان باللعب بالرؤوس. مامعنى أن البشر الأقدمين كانوا عمالقة؟ هكذا يروج البعض أن قوم عاد وثمود كانوا عمالقة؟ يتعرض ابن خلدون في مقدمته لمثل هذه الأفكار ويقول: إن الحنايا في بقايا قرطاج، وأهرامات مصر، دفعت البعض إلى الظن أن من أقامها هم قوم من العمالقة، ليصل إلى تقرير (قانون) هام في علم الاجتماع، ذو ست زوايا في اعتماد الإخبار ليس على النقل، بل النقد والتحري. قال الرجل في مقدمته (اعلم أن الإخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل، ولم تحكم أصول العادة، وقواعد السياسة، وطبيعة العمران، والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والذاهب بالحاضر؛ فلا يأمن فيها الإنسان من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وهو ماوقع لكثير من أئمة النقل والتفسير). ومنه نفهم البعد الاستراتيجي في الآية المفتاحية الموجودة في سورة العنكبوت، أن علينا ليس البحث في (الكتاب) بل السير في الأرض (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق). إذن هذه الصور من عمالقة عاد وثمود يجب أن لاينظر لها من خلال النصوص، بل من خلال البحث الانثروبولوجي (علم الإنسان) وتفقد طبقات الأرض. هل فعلا ثمة هياكل بقدر ناطحات سحاب أم هو (فرية) علمية تكاد السموات تنشق منها وتخر الجبال هدا؟ وبالمناسبة فإن غالبية من (ساروا في الأرض) كانوا من الغربيين، ولم يكونوا من العالم الإسلامي، وقديما كان العكس هو الصحيح، كما نعرف من (ابن بطوطة) في كتابه عجائب الأسفار أو (القلقشندي) ومن رسم خرائط العالم (الادريسي) وابن خلدون وعشرات من الباحثين، أما العالم الحالي فقد تم تشكيله بعد أن خرج العرب من لعبة التاريخ، وبذلك صنع العالم المعاصر الذي نعيش فيه من بناة لاعلاقة لهم بالعالم الإسلامي عموما. (دارون) مثلا ركب سفينة البيجل لينتهي بفكرته عن الخلائق وكيف تمت. (هومبولدت) الألماني عس في غابات الأمازون ليكتشف الخلائق، و(ماركس) كشف قانون فائض القيمة في الاقتصاد، و(فرويد) عالم ماتحت الشعور، و(فون بابن) قانون ضغط البخار، و(طوريشيللي) الضغط الجوي، و(ماكس بلانك) ظاهرة إشعاع الجسم الأسود وانتهاء بقوانين ميكانيكا الكم، و(آينشتاين) النسبية الخاصة والعامة، و(دونالد جوهانسون) الانثروبولوجي هو من عس في حرارة الحبشة المخيفة، في مثلث عفار، ليهتدي إلى هيكل لوسي التي عاشت قبل 3,2 مليون سنة، ليس هذا فقط بل أين المختبر الذي يقول أن هذا العظم عمره ثلاثة ملايين من السنين أو ثلاث سنوات؟ هذه أيضا تقنيات طورها الغرب باجتهاد ومتابعة؛ بل حتى الصور التي تعمم هي من خلال النت، الذي هو مشروع أمريكي بامتياز، وكتبت مجلة در شبيجل الألمانية، عن جيل الشباب الجدد في (وادي السيليكون) قريبا من سان فرانسيسكو أنهم أباطرة الحكومة العالمية القادمة، بتطوير نظام المعرفة والاتصالات بحيث ينتهي احتكار الحكومات لصالح خبراء الديجتال. هذه إذن هي طبيعة العصر الذي نعيش فيه. ومانعرف عن هياكل البشر حتى اليوم هو ماكشفه علماء الانثروبولوجيا (وهو أيضا علم حديث تطور من رحم علوم أخرى) أن الإنسان أصبح له على وجه الأرض بشكله المستقر حاليا، والذي ننتسب إليه، وسمي جدنا آدم تيمنا به (الإنسان العاقل العاقل) ربما مائتي الف سنة يزيد وينقص، ولكنه هو الشكل المودرن المتقدم وقبله مرت اشكال أخرى ولكنها اختفت جميعا. ما أريد الوصول إليه أننا إذا أردنا الطيران إلى المستقبل؛ فيجب أن نركب جناحين من العلم والسلم. بكل أسف الوسط العام من الثقافة شاحب يعاني من فقر دم، ولايزيده الوعاظ الشعبيون إلا ضلالا. أملي كبير أن يعتنق مثل هذه القبسات شباب ينظرون إلى مستقبل أفضل بعقل تنويري مؤمن متسامح يبني قاعدته المعرفية طبقا عن طبق.
اقرأ المزيد
مصير الإنسان .. إلى أين ؟
جاء في كتاب ( الخواطر ) للفيلسوف الفرنسي باسكال ( PASCAL ) مايلي : (( إن الصمت الأبدي الذي يلف هذا الفضاء اللانهائي يخيفني ولكن هناك لانهائية أخرى هي لانهائية صغر الذرة ، وعقلنا يتذبذب في حيرة وارتياع بين الشاسع غير المحدود والدقيق غير المحدود .. إن من يتأمل نفسه على هذا النحو تخيفه نفسه ، وإذا أدرك أنه معلق بين هاويتي اللانهائية والعدم ارتعد فرقاً ، وبات أميل إلى تأمل هذه العجائب في صمت منه إلى ارتيادها بغرور ، فماهو الإنسان بعد كل هذا في الطبيعة ؟ إنه العدم إذا قيس بغير المحدود ، وهو كل شيء إذا قيس بالعدم ، إنه وسط بين العدم والكل ، وهو بعيد كل البعد عن إدراك الطرفين ، فنهاية الأشياء وبدايتها أو أصلها يلفهما سر لاسبيل إلى استكناهه ، وهو عاجز على السواء عن رؤية العدم الذي أُخذ منه واللانهائي الذي يغمره )) ( 1 ) إذا لم نعرف كيف كان الإنسان ( قبل ) عشرة آلاف سنة ، فإن القفز عبر الزمن لرؤية مصير الإنسان ( بعد ) عشرة آلاف سنة ، يصبح ضرباً من المستحيل ، فالوجود الإنساني في حالة صيرورة وكم معرفي تراكمي ، ومعرفة البدايات يعطي تصوراً عن تشكل النهايات ، ذلك أن المجتمع الإنساني لايبقى على حال ، بل هو في حالة ديناميكية متغيرة متطورة نامية ، ومالم يتشكل عندنا بانوراما - نظرة شمولية ( PANORAMA ) للرحلة الإنسانية عبر التاريخ ، ومعرفة المنحنى البياني للصيرورة الإنسانية ، فإننا سوف نبقى نوجه أصبع الاتهام تجاه الإنسان ، ولانرى فيه إلا مارأته الملائكة : أنه كائن مجرم وشقي مخرب (( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )) ( 2 ) ولكن توقع الملائكة هذا يمثل نصف الحقيقة فقط ، ولمعرفة بقية الحقيقة للاقتراب من رؤيا شمولية ومسح طوبوغرافي للطبيعة الإنسانية ، فإن قراءة التاريخ والانثروبولوجيا وعلم الحضارات وقوانين المجتمع ، سوف تسعفنا في إلقاء الضوء على فهم المصير الإنساني بشكل مختلف في ضوء جواب الله تعالى للملائكة ( إني أعلم مالاتعلمون ) . ********************** في مقالتي السابقة عن ظاهرة ( انطفاء العقل ) وأثر ذلك في مركب ( الانحطاط ) الذي تسلط على الجسم الإسلامي ، وكانت أفظع تجلياته ولحظة الانكسار الكبرى في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي ، الذي لم يرتفع عنه حتى اليوم ، فإن هذه المقالة خصصت نفسها ليس لمسيرة الحضارة الإسلامية ، بل لرحلة الإنسان عبر التاريخ ، وبفهم طبيعة هذه المرحلة ، وبتجميع نقاط حركتها في المنحنى البياني التاريخي ، يمكن الاقتراب لفهم أفضل لآليات الحركة التاريخية . ************************ ياترى كيف يمكن التوصل إلى معرفة حقيقة عمر الأرض والشمس ؟ وكم أصبح للإنسان وهو يدب على ظهر هذا الكوكب ؟ يطيب لأفلام الخيال العلمي إظهار الإنسان مع الديناصورات ، ولكن هذا الترافق الزمني غير صحيح ، كما كشفت عنه الأبحاث العلمية الجديدة ، فبعد اختفاء الديناصورات بفترة طويلة ظهر الإنسان ، فالديناصورات دبت على الأرض بأطنانها الثقيلة وأدمغتها الصغيرة قبل 570 مليون سنة ( 3 ) واختفت عن وجه اليابسة قبل حوالي 65 مليون سنة ، في حين أن بدايات الإنسان ظهرت قبل حوالي ( 2.3 ) مليون سنة ، وفي هذا الصدد يواجهنا سؤال ملح هو : كيف استطاع العلماء تحديد هذه الأشياء وبهذه الأرقام ، وليس هناك من أثر تاريخي أو وثيقة تقر على هذه الحقيقة ؟ كيف تم استنطاق الوجود وبأية وسيلة تم معرفة عمر وسيرة حياة هذه الكائنات ؟ إذا كانت الديناصورات وطأت الأرض بهياكلها العملاقة وأنيابها المرعبة وأدمغتها القاصرة ، قبل نصف مليار سنة فكم أصبح للحياة على وجه الأرض ؟ سواء وحيدات الخلية ، أو عديدات الخلايا ، متمثلة في بقية الحيوانات من زواحف وطيور وحيوانات ثديية ؟ بل كم أصبح للكون من عمر ؟ ومتى تشكلت المجموعة الشمسية ؟ ومتى بدأت الحياة على وجه البسيطة ؟ وأين تقع الحياة الإنسانية في هذه الرحلة الطويلة ؟!! ****************************** لابد إذن من معرفة ( الأداة ) التي يمكن بواسطتها استنطاق الشجر اليابس والحجر الصلد ، النجم اللامع والهيكل الرميم ، عن عمره فيما أفناه ؟ ومنذ متى غُيب في أحشاء الثرى ؟؟ فــ ( اللغة ) هنا التي تنطق ، تختلف في طبيعة أقلامها ومدادها وورقها ، والقرآن أشار إلى أعضاء تتكلم ليس في طبيعتها النطق والإفصاح عن نفسها ، بل يمضي القرآن أبعد من هذا ، حيث يُنطق من ليس في طبيعته النطق ، ويُسكت من في طبيعته النطق (( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم )) ( 4 ) فالفم الذي للنطق يُغلق ، وتبدأ اليد بالكلام على طريقة جديدة ولغة مستحدثة لابد من ترجمتها ، وتفسير حركاتها ، فالأصابع لاتنطق ولكن بأمكانها أن تكتب وتشير وتنقر وتعزف وتضغط وتلمس وترسم وتنحت وتشكل ، فأمامنا شريحة واسعة من إمكانيات التعبير الجديدة . فــ ( اللغة ) يعبر بواسطتها عادةً إما نطقاً أو كتابةً ، وهي الشكل التجريدي الراقي عند بني البشر ، ولكن الطبيعة لها لغةُ نطقٍ مختلفة ، فهي لاتصوت أو تكتب على طريقتنا ، بل على طريقتها الخاصة بها ، وماعلينا سوى اكتشاف هذه اللغة من واقع الطبيعة ، وأشار القرآن إلى إمكانية أن تتحدث الأرض ( يومئذ تحدث أخبارها ) ( 5 ) إلا أن هذا الحديث ليس تصويتاً بشرياً ، بل نطقاً خاصاً بالشجر والحجر علينا أن نفهمه بعد ترجمته ، وانتبه ( غاليلو ) سابقاً إلى حديث الطبيعة هذا فاعتبر أن الطبيعة كتبت بلغة خاصة وهي لغة رياضية ، علينا اكتشافها وصياغتها على شكل معادلات ، وأصاب غاليلو في حديث الطبيعة التي تتحدث بطريقتها الخاصة ، ولكن حديث الطبيعة يبقى حديث الطبيعة الذي تمثل المعادلات تعبيراً غير نهائي عن حقيقتها ، فالطبيعة هي أكبر من الطب والهندسة والرياضيات والاقتصاد والمعادلات ، فلا يمكن قياس العواطف والتجليات الروحية مثلاً بالغرامات أو درجات السلم الزئبقي ، بالسنتمترات المكعبة أو الفهرنهايت على الشكل الذي افترض غاليلو!! عملية استنطاق هذه ( اللغة ) من الطبيعة هي التي حرمت المؤرخين قديماً من عدم إمكان الغوص في بطن التاريخ لمعرفة كيفية بدء ( خلق الأشياء ) (( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق )) ( 6 ) بسبب عدم انتباههم إلى إمكانية هذه اللغة الجديدة ، إلى درجة أن شراح العهد القديم في أوربا اعتبروا أن العالم بدأ في العام 4004 قبل الميلاد ، وهي التي منحت العلماء اليوم ، وبطرق علمية مختلفة معرفة عمر العناصر المعدنية ، والشجرة المعمِّرة ، والصخرة الراقدة عبر الأحقاب الجيولوجية ، والهياكل العظمية التي حفظتها طبقات الأرض ، المدن التي طواها التاريخ ، والحضارات التي انهارت ولفها ليل الزمن . لم تعد الإمكانيات محصورة في تحديد عمر الشجرة فقط من خلال حلقاتها الداخلية ، بل حتى قراءة هذه الحلقات على شكل ( سيرة ذاتية - C . V. ) ومعرفة سنوات الخصب من الجفاف التي مرت خلال حياة الشجرة ، كُتبت القصة وحُفظت ووُثِّقت وخُتمت بختم ( الواقع ) الذي لايكذب ولايزور ، لايحرف النصوص أو يؤولها ؛ فهي وثيقة أكيدة سطرتها يد الزمن كوثيقة أصلية غير مزورة ، لذلك كانت طبقات الأرض في حفظها للنصوص التاريخية ووقائعه أدل على نفسها بنفسها من أي نص كتب عنها مهما كان مصدره ، كل ماتحتاجه هو المحاولة الدؤوبة لفك ألغاز هذه اللغة ، كما حصل مع حجر رشيد في مصر . ************************** وإذا امتلكنا هذه الأداة سواء من خلال العناصر المشعة في الطبيعة ، مثل اليورانيوم أو الراديوم وسواهما ، أو الكربون 14 من الشجر ، أو الحفريات المختومة مثل البصمات على الحجر وفي طبقات الأرض ، أو حلقات الشجر الداخلية ، أو تحليل كلس العظام في الهياكل العظمية ، أو التحليل الطيفي لــ ( اللون ) القادم من المجرات ، كما في ظاهرة ( دوبلر والزحزحة الحمراء ) ( 7 ) التي طبقها العالم الأمريكي ( إدوين هابل ) لاكتشاف تباعد المجرات وظاهرة تمدد الكون . كل هذه الأدوات المنوعة يغوص الإنسان بواسطتها مثل أدوات الجراح في قاعة العمليات ، ولكن الحقل هنا هو الوجود كله وليس جسم المريض ، فيتأمل المجرات بالتلسكوب ، والباكتريا بالمجهر ، ينبش طبقات الأرض بحثاً عن الهياكل العظمية وبقايا الحفريات ، يقلب النظر في مخلفات المدن البائدة والحضارات التي ابتلعتها الأرض ، فيصل ليس فقط إلى ( عمر ) هذه الأشياء ، بل إلى تسجيل ( موثق ) إلى أبعد الحدود ، وبدون أي تزوير للقصة الكاملة التي حدثت . إن بصمات المجرمين ومخلفات الشعر والدم تقود إليهم مهما أقسم أحدهم بالأيمان المغلظة أنه لم يرتكب الجريمة ، لإن آثارهم تنطق بشكل حيادي وموضوعي عما حدث ، فإمكانية الخطأ بين بصمة وأخرى هي بنسبة واحد إلى 64 مليار ، فالخطأ هنا ممتنع ، ولعل الآية القرآنية أشارت بشكل خفي إلى هذا السر في تفرد البصمة ، من أن البعث سوف يكون كاملاً غير منقوص بما فيها البصمة ( البنان ) التي هي تفرد قائم بذاته لكل شخصية إنسانية ( بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) ( 8 ) كذلك الحال في ( بصمات الحفريات ) على الصخر وطبقات الأرض فلا يمكن أن تضلل . هكذا استطاع العلماء الذين ( مشوا في الأرض ) استنطاق الحجر والشجر ، النجم وطبقات الأرض ، الراديوم والكلس ، العظام والدماء ، وهذا الاختراق لهذا الفضاء المعرفي هو في حالة زيادة يومية وتراكم معرفي نامي ، تتفاعل عناصره مع بعضها فتولد عناصر جديدة ، وهكذا أمكن الكشف عن هياكل العائلة المالكة الروسية للقيصر نيقولا الثاني الذي غاب في بطن الأرض مع الثورة البلشفية برصاص الشيوعيين الحمر . ************************************* وطالما أمكنتنا هذه الأدوات الجديدة من كل هذه المعرفة الغزيرة والمنوعة ، فإننا نقترب اليوم من لغز بداية الكون في إطار نظرية ( الانفجار العظيم - BIG - BANG - THEORY ) التي تفيد ببداية عجائبية خارقة للوجود ، بدأت فصولها قبل حوالي 15 مليار سنة ، من نقطة لم يستطع العلماء إلا اعتبارها أنها لحظة ( متفردة - SINGULARITY ) حيث انفجر الكون على صورة كرة نارية هائلة في جزء من ( سكستليون ) من الثانية أي واحد مقسوم على عشرة أمامها 36 صفراً ، حيث كان الكون كله بما فيه من كل المجرات الحالية مضغوط في حيز أقل من بروتون واحد .. حيث لازمان أو مكان .. لاطاقة أو مادة .. لاقوانين تنتظم الكون أي غياب كامل لكل مفاهيم الوجود التي نتعامل معها اليوم ؟!! هذا ماتقوله باختصار نظرية الانفجار العظيم التي جاءتها التأكيدات من كشوفات ( هابل ) في تمدد الكون ، ثم الكشف عن ( الإشعاع الأساسي ) في الكون على يد كل من ( آرنو بنزياس ) و ( روبرت ويلسون ) عام 1965 م ( 9 ) والتي تمشي معظم الدلائل باتجاه تأكيدها حتى الآن . وإذا كانت نقطة البداية قد دشنت للكون قبل 15 مليار سنة ، فإن مجموعتنا الشمسية التي ننتمي إليها ربما تكون قد بدأت قبل حوالي ثماني مليارات سنة ، أما أمنا الأرض فتتأرجح الأرقام عند( 5.4 ) مليار عام ، ويبقى السؤال عن الحياة التي باشرت وجودها قبل حوالي ( 5.3 ) مليار سنة ، وكانت الحياة البدائية في صورة وحيدات الخلية التي لاتحتاج للأكسجين ، حيث لم يكن في تلك العصور الساحقة وجود للأكسجين في غلاف الكرة الأرضية، وفي مسلسل الحياة هذا تأتي الحياة الإنسانية في قمة الخلق الألهي ، حيث يرجح أن تكون قد بدأت قبل حوالي ( 2.3 - 4.3 ) مليون سنة وفي أفريقيا الساخنة ، ربما في شرق الحبشة ، على النحو الذي كشف عنه العالم الأمريكي الانثروبولوجي ( دونالد جوهانسون ) في نوفمبر عام 1974 م ( 10 ) في مثلث عفار شرق الحبشة ، حيث تم الكشف عن 80% من هيكل عظمي لإمرأة تمشي منتصبة ، تعود إلى مايزيد عن ثلاثة ملايين من السنين ( هيكل لوسي ) فإذا وضعنا الآن الحياة على شكل كتاب ، شكلت الحياة الإنسانية فيه الصفحة الأخيرة من كتاب سماكته ألف صفحة . ****************************** بقي الإنسان لفترة طويلة يطارد الوحوش والوحوش تطارده ، يأكلها وتفترسه ، يعيش على الصيد وجمع الثمار ، بدون ذكر في التاريخ ، فلاتدوين ، فكان خارج التاريخ ، ولفترة ملايين السنين ، ثم حدث الانعطاف الأول والخطير في تاريخ الإنسان باكتشاف النار والمحافظة عليها متقدة ، فصرف خطر الحيوانات عنه ، كما استطاع أن يتقدم للعيش في المناطق الباردة ، وكانت هذا قبل حوالي 900 ألف سنة ، وبذلك خرج من أفريقيا في أرجح الأقوال ليعمر القارات كلها ، وأما أمريكا فانتشر إليها من أقصى الشمال عبر مضيق بهرنج ، الذي كان يصل آلاسكا بآسيا ، ولعل شبه أهل الأسكيمو بأهل الشرق الأقصى والصين يوحي بمجيئهم من هناك . **************************** وبقيت فترة الصيد وجمع الثمار واعتماد النار والانتشار في الأرض فترة طويلة من الزمن وبدون أي قفزة نوعية ، حتى دشنت المرأة الانعطاف الخطير الثاني بدخول الثورة الزراعية ، وكان ذلك قبل حوالي عشرة آلاف سنة ، ففي الوقت الذي كان الرجل فيه يركض خلف الصيد على ماخلدته نقوشات الكهوف ، انتبهت المرأة للزراعة ففجرت التاريخ وعطفت مجراه وحققت القفزة النوعية للجنس البشري ، وبدخول مرحلة المجتمع الزراعي واستئناس الحيوان تحرر الإنسان ودفعة واحدة من الموت ( جوعاً ) فسيطر على إنتاج غذاءه ، وبها دخل الإنسان مرحلة المدينة ، وانبثاق تقسيم العمل والتخصص فيه ، على ماأشار إليه عالم الاجتماع ( دركهايم ) في كتابه تقسيم العمل ، وعلى النحو الذي فهمه ابن خلدون في ( المقدمة ) في ضرورة المجتمع الإنساني من نقطة ( الغذاء ) الذي لايمكن تحصيله بدون تعاون التخصصات ، وبتوفير الغذاء ازداد السكان ، في صراع مع حصد الأمراض التي كانت تعالج بيد ( السحرة ) حيث كانت أحد وظائف الساحر ( الطب ) ، وبدأت التجمعات السكانية الكبرى في التشكل ، وببناء المدن وتخصص فريق الفلاحين بالسيطرة على إنتاج مايزيد عن حاجة الجماعة ، تحول بقية الفريق الاجتماعي إلى تخصصات مختلفة ، وبدأ الانسان في وضع قدمه في أول طريق الحضارة ، فتشكلت المدينة ، وولد النظام السياسي الذي احتكر السلاح والعنف ، وبدأ الإنسان مع أخيه الإنسان في تشكيل مجتمع المدينة ( الآمن ) وبذلك تحرر الإنسان من الخوف من أمرين : فوضى الغابة وعنفها وجوعها ، وهو ماأشار إليه القرآن عن نعمه على الإنسان من أنه ( أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) . وهو مانوه به ابن خلدون كاعتبار ثاني للتجمع الإنساني بعد الغذاء ( المدافعة ) ***************************** ظهرت على وجه الأرض مجموعات إنسانية على شكل مجتمعات بدائية تجاوزت ( 600 ) مجتمعاً ، على ماحررَّه المؤرخ البريطاني توينبي في كتابه ( دراسة التاريخ ) ، ولكن الحضارة كان عليها الانتظار بضع آلاف من السنين قبلا أن تنبثق ، فانطلقت أول حضارة من جنوب العراق الحالي قبل ( 6000 ) سنة ، لتتلوها 28 حضارة أخرى ، في ظروف مازالت قيد التحليل من قبل فلاسفة التاريخ ، منهم توينبي الذي أشرنا إليه والذي رأى في قانون ( التحدي والاستجابة ) آليةً تفسر بزوغ الحضارات أو بالعكس انطفاؤها ، سواء كان التحدي في البيئة أم النفس كما في حضارة ( البلوبينيز ) مع تحدي ( المحيط ) أو حضارة جنوب الرافدين والنيل في تنظيم الري . ******************************** ومع ولادة الحضارة حصل خطأ ( كروموزومي ) رهيب ذي قرنين أو شعبتين أو مرضين ؛ كل منهما يزيد في تفشي القيح عند الآخر ، هما ( الحرب والرق ) ، الحرب كانت تولد الرق ، والرق هي القوة العضلية ( الآلة في ذلك الوقت ) المستخدمة في مزيد من الانتاج ، الذي اعتاد القوة العضلية المباشرة الإنسانية أو الحيوانية ، ولعل أفظع مرضين أصيب بهما الجنس البشري في تاريخه كانا ( الحرب والرق ) لإنه بالحرب يدمر وجود الإنسان بالكامل ، وبالرق يمسح من عالم البشر المعنوي فهو ميتة من نوع جديد ، ومن هنا نفهم أيضاً النتيجة المباشرة ، لتفشي مرض ( قوة العضلات - العجول الآدمية ) على وضع ( المرأة ) فطالما كانت المرأة لاتمتلك ( العضلات ) فإن المجتمع تعرض لاختلال فظيع ، بغياب المرأة عن التوجيه المشترك مع الرجل ، فوقع المجتمع تحت سيطرة الذكور فقط ، ونمت المؤسسات العسكرية ، التي هي ذكورية بالدرجة الأولى ، فكان اندلاع الحروب تحصيل حاصل ، فالحرب هي عملية ذكورية كاملة في التخطيط والقيادة والتنفيذ بل والموت في النهاية ؟! فالذكور يخوضونها بكل ضراوة ويموتون في ساحاتها ، في حين أن الانثى لاتشارك في هذه المذبحة الجماعية ، بل تحافظ على الحياة ، وتنجب الحياة ولاتموت في حمامات الدم المرعبة هذه ، فهي خزان الحياة المتجدد وينبوع الحب المتدفق ، وبترسيخ الثقافة العسكرية الاسبرطية تم تحويل وتشويه كامل للثقافة الإنسانية باستلاب الإنسان من أهم عناصر إنسانيته ، بسل روح المبادرة والبعد الفردي والاستقلالية ، وتحويل المجموع إلى كتلة لحمية مضغوطة تعمل كالمطرقة ولاتناقش ، وتحويل تيار الثقافة بكامله في الفنون والأدب والجمال وسواه ، ليصب في تيار اتجاه تكريس ثقافة البطولة و ( العنترية ) وهي كارثة إنسانية عامة ، عانت ومازالت تعاني منها كل شعوب الأرض ، ووضع لها محمد ( l ) حلاً : (( لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق )) . ********************** وقبل خمسة آلاف سنة حصل انعطاف ثالث لايقل في وزنه وثقله عن الانعطافين السابقين باختراع الكتابة ، فبواسطة الحرف والكلمة أمكن حبس المعنى ورسمه في الأوراق وشبهها ، وبذلك أمكن وللمرة الأولى في التاريخ الإنساني ( حفظ ) الذاكرة الإنسانية ، وبدأ تيار التراكم المعرفي وثورة المعلومات ، ولعل فواتح السور من الحروف المكررة من ( ألف ولام وميم وعين وصاد ) والتي اختلف فيها المفسرون على مذاهب شتى ومازالت أحد أسرار القرآن ، لعل أحد تفسيراتها هي إشارتها إلى هذه الثورة الخطيرة في العقل والتاريخ الإنساني ، فالإنسان قبل ( الكتابة ) كان يتفاهم بالنطق والتصويت ، ولكن حصيلة التجربة الإنسانية كانت تموت مع كل جيل فلا تحفظ ، تماماً كما لو تصورنا أن خلايا الدماغ تتكاثر وتموت كما يحصل مع الكريات الحمر في الدم والتي تتبدل كل 120 يوماً فتتكسر لتعطي حمضاً يذيب دهن الطعام ويلون بعد ذلك فضلات الأمعاء الخارجة ، ذلك ان خلايا الدماغ هي من عمر الإنسان تولد معه برقم محدد وتبقى معه وترافقه إلى رحلة القبر الأخيرة ، فهي تخزن المعلومات وتبني الذاكرة تنمي الخبرة وتصقل المواهب ، تشحذ القدرات الفنية ، وهي بعد هذا مركز الإبداع وتجلي الشخصية ، ولو تبدلت وأعيد صناعتها كما هو الحال مع باقي خلايا الجسم إذاً لكان على الإنسان أن يتعلم اللغة كل بضعة أشهر من جديد . هذا الشيء كان يحدث مع الإنسان عبر التاريخ ، كما لو كان الجنس البشري بدون دماغ وخلايا عصبية ، وباختراع الكتابة تشكلت الخلايا العصبية الحافظة والدماغ الرائع للجنس البشري ، الذي يحفظ الخبرات والذاكرة البشرية والتراكم المعرفي طبقة فوق طبقة . ************************************ وبين القرن السابع والرابع عشر للميلاد تم تطوير الفكر بشكل نوعي على يد المسلمين الذين ودعوا الفكر اليوناني ، ليولِّدوا _ بدفع من روح القرآن _ المنهج الاستقرائي التجريبي وروح البحث الواقعي واعتماد التجربة ، لتتخمر بعد ذلك بعد نقلها في إيطاليا ، لتفجر بعدها روح النهضة الجديدة في أوربا ، ومع تطوير الطباعة قبل 500 سنة بدأ العقل يتحرر ، وتم ربط العالم ببعضه من خلال قوة البخار التي استخدمت قبل 200 سنة ، ليتلوها تسخير الكهرباء قبل 120 سنة ، وأما الاستعمال السلمي للذرة فتم قبل 30 عاماً فقط ، وكل إنجازات الجنس البشري الرائعة من الطب الحديث وجراحة الأوعية والمناظير والتخدير والالكترونيات والبريد والفاكس والطيران ، كله تم تطويره بعد الحرب العالمية الثانية . ************************* كذلك حصل انفجار سكاني بتسارع لم يعهده الجنس البشري من قبل ، خاصة بعد ارتفاع المستوى الصحي ، فالجنس البشري بين محطات عام 1800 - 1930 - 1960 - 1975 - 1988 م قفز من مليار واحد إلى خمس مليارات ، وربما يصل العدد إلى 120 مليار مع نهاية القرن القادم ؟! عندها ستتحقق نبؤة جول فيرن عن الغواصة ناوتيلوس والكابتن نيمو والمدينة في قاع البحر كما عرض في فيلم عشرين ألف فرسخ تحت الماء . حيث تسخر إمكانات البحر لإيواء وإطعام المليارات المتدفقة من البشر ، وفي الوقت الراهن فإن الأرحام تدفع مع كل شروق شمس إلى الحياة بــ 270 ألف إنسان ، في حين تبلع القبور مع كل غروب شمس 140 ألف انسان ، فيزداد البشر كل 24 ساعة 130 ألف انسان جديد ضيفاً على الكرة الأرضية . *************************** وأما رحلة القوة عبر التاريخ والصراع المسلح ، فكانت كل دورة تمضي أشد هولاً في إيقاعها من التي قبلها ، في دورات جنونية من التخريب المتكرر للجهد الإنساني ، والتدمير المعاد للمدن والدول والحضارات ، حتى حصل الانعطاف السادس في مسار عشق القوة ، بعد اكتشاف النار والثورة الزراعية ودخول الحضارة واختراع الكتابة والثورة الصناعية ، ولعل الانعطاف الأخير الأخطر من نوعه ، باعتبار توقف مصير الجنس البشري عليه ، والمثير فيه أنه أفضى إلى عكس ماأراد أصحابه ، وكان ذلك في الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم 16 تموز يوليو من عام 1945 م في تجربة السلاح الذري الانشطاري الأول ( قنبلة البلوتونيوم )، حيث وضع الإنسان يده هذه المرة على وقود المجرات ، ولمس جدار جهنم الصاعق ، وأدرك أن هناك انقلاباً نوعياً في مفهوم القوة ، هي حزمة من الأفكار التالية : 1 - الأول : لم يبق غالب ومغلوب في هذه الحرب بعد اليوم ، ولن يدخل أحد الحرب وهو يعلم أنها انتحار جماعي 2 - الثاني : لن تحل المشكلات بعد اليوم بالقوة المسلحة ، فهذا هو المنطق الجديد ، منطق العصر النووي ، وبالتالي وجب على الإنسان كما ودع هراوة الغابة أن يودع عقلية الغابة 3 - الثالث : كانت بنفس الوقت إعلاناً غير مباشر ودعوة مبطنة إلى عودة الإنسان إلى انسانيته فوجب أن يودع المواجهة والصراع والدماء والصدام ، ويدخل العهد الجديد ويعتاد اللغة الجديدة : الحوار وامتزاج الثقافات والتفاهم وتكوين الثقافة السلمية وتوديع روح العنف والبطولة الفارغة 4 - الرابع : تحولت الكرة الأرضية إلى قرية صغيرة يرى الناس بعضهم ويتخاطبون بسرعة الضوء ويتحركون بأسرع من الصوت ، فهم قفزوا فوق ثقل الجسد ليلتحقوا بخفة الروح ونبض الأفكار 5 - الخامس : النزاعات المسلحة اليوم وتكديس ( خردة ) السلاح هي بضاعة المتخلفين عقلياً ، والذين لايملكون ( المعرفة ) ونواتجها من التكنولوجيا ، واستعراضاً سريعاً لبؤر النزاع المسلح في العالم يرينا أن عالم الكبار ( لايتقاتل ) والذي يتقاتل هم دول الأطراف المتخلفة فقط 6 - السادس : من يتقاتل من هذه الدول الهزيلة لايملك مصير ومخرج القتال ، بل خاتمتها متوقفة مرة أخرى على دول المركز التي تملك المعرفة والتكنولوجيا والمال ، فمن ينطلق في شراء السلاح وتكديسه يكون كمن اُرتهن لعالم الكبار وباع قضيته إليهم 7 - السابع : يتحول العالم تدريجياً الى شريحتين : شريحة من يفهم وشريحة من لايعقل ، كما يتشكل العالم إلى طبقتين مسخِّرة ( بالكسر ) ومسخَّرة ( بالفتح ) ، مستكبِرين ومستضعَفين على حد تعبير القرآن ، من يملك ( البرستيج PRESTIGE= الوجاهة والنفوذ ) ويأكل 80% من خيرات العالم ، وأخرى تشكل كعدد 80% من سكان العالم ولكنها تحظى بأقل من 20 % من خيرات العالم ويشكل العالم الإسلامي اليوم مركز الثقل فيه فيجب أن نعي هذه الحقيقة المرة من أجل تغييرها ، بتغيير مابنفوسنا أولاً 8 - الثامن : تعلم شريحة ( المستكبرين ) في العالم علم اليقين أن زمن القوة انقضى وولى ، وأن هذه الأسلحة هي الأصنام الجديدة ، التي لاتضر ولاتنفع ، وهم ( سحرتها ) ومانحتاجه هو توحيد محمد بن عبد الله ( l ) كي يبطل السحر الجديد 9 - التاسع : قد تتغبش هذه الرؤية عند البعض بمذابح راوندا وقتال الشيشان وقذائف مدافع الأفغان والبوسنة ، ولكن العالم الذي نعيش فيه هو عالم النور والكهرباء والكمبيوتر وجراحة الجينات والسلام ، بالطبع مازال بعض الناس يعيشون على فتيل المصباح والعد باليدين والكي واستخدام هراوة الغابة ، ولكن العبرة بخواتم الأعمال وآخر الفتوحات العلمية ، فإذا أصر المرء على ركوب الدواب والعد بالأصابع بدل استخدام الكمبيوتر تحول إلى عالم المسخَّرات ( بالفتح ) ************************** يقدر عالم الفيزياء الكونية ( ستيفن هوكينج ) في كتابه ( قصة قصيرة للزمان ) أن الشمس استهلكت من وقودها حوالي النصف ، وأن أمام الشمس في إطلاق النور والحرارة مايزيد عن خمسة مليارات من السنين ؟! فإذا كانت الحضارة الإنسانية بدات قبل ستة آلاف سنة فقط ، والثورة الزراعية تسعة آلاف ، وأفضل إنجازات الجنس البشري تمت في مدى الخمسين سنة الفائتة ، فماذا ينتظر الإنسان في مدى مائة عام القادمة فضلاً عن الآلاف أو الملايين ، كيف سيكون الإنسان بعد عشرة آلاف سنة ياترى ؟ خاصة وأن العلم يمشي بشكل متسارع ؟ قد نصاب بالحزن في اكتشاف أن التاريخ الفعلي للإنسان لم يبدأ بعد ، وأننا ولدنا مبكرين للغاية وحرمنا من الرؤية المتألقة لعلم الله الذي سيتحقق فينا بعد حين ( إني أعلم مالاتعلمون ) . مراجع وهوامش : ( 1 ) مات باسكال ( 1623 - 1662 م ) دون الأربعين ( 39 سنة ) ويقول سانت بيف عن هذه الفقرة (( ليس في اللغة الفرنسية صفحات أروع من الخطوط البسيطة الصارمة التي تحتويها هذه الصورة التي لانظير لها )) راجع قصة الحضارة - تأليف ويل واريل ديورانت - طباعة لجنة التأليف والترجمة والنشر عام 1979 م - ترجمة فؤاد اندراوس - الجزء 31 - ص 100 ( 2 ) البقرة 20 ( 3 ) يراجع كتاب ( EVOLUTION ) - كتاب طيف العلم الأمريكية - الطبعة الألمانية ص 17 _ ) SPECTRUM SCIENTIFIC AMERICAN4 ) سورة يس 65 ( 5 ) سورة الزلزلة الآية 4 ( 6 ) العنكبوت الآية رقم 20 ( 7 ) تم كشف هذه الظاهرة على يد العالم النمساوي كريستيان دوبلر وسميت باسمه ومفادها معرفة موجة الصوت أو الضوء القادم من الهارب ، حيث تكبر الموجة وتنضغط في حال هجوها علينا والعكس بالعكس ، وفي الضوء باعتباره مكون من حزمة من الألوان فإن رأسه القادم باتجاهنا هو أزرق ، في حين أن ذنبه الهارب عنا ذو لون أحمر ، وهي ماترسله كل المجرات لإن الكون يتوسع مثل البالونة ( 8 ) سورة القيامة الآية 4 ( 9 ) طالما انفجر الكون في كل اتجاه فلابد أنه ترك أثراً من إشعاع في كل الكون ، هذا ماكشف عنه العالمان المذكوران بدقة وتبلغ ( 5.3 ) فوق الصفر المطلق ( - 273 ) راحع كتاب العلم في منظوره الجديد تأليف روبرت آغروس وجورج ستانسيو - ترجمة كمال الخلايلي - عالم المعرفة 134 - ص 61 ( 10 ) تراجع القصة بالكامل في مجلة المختار عدد ديسمبر من عام 1981م صفر عام 1402 هـ ( ص 114 ) عن اكتشاف هيكل لوسي .
اقرأ المزيد
مصير الحرب .. إلى أين ؟
قد يستغرب القاريء لو قلت له : إن زمن الحرب قد ولَّى وأننا نطأ بأقدامنا عتبة (عالم السلام) ونحقق علم الله القديم فينا ( 1 ) وسيعتبرني بعضهم مسرفاً في التفاؤل أو غير واقعي بل قد يرى البعض أنني أتكلم ضد التاريخ وأحداث العالم !! نعم قد يختلط هذا الأمر على كثير من الناس وهم يسمعون طبول الحرب ويرون فرقعات السلاح في أرجاء المعمورة ، ولكن الغوص الصبور والتأمل الفاحص في بطن الواقع ، سيكشف الغطاء عن بصيرتنا ؛ أن هذه المظاهر هامشية وجانبية أمام زخم التدفق العام لحركة التاريخ ، فهذه الفرقعات هي بقايا فلول جيش منهزم أومحتضر في سكرات الموت ، فالعالم أصبح الآن وكأن رأسه في عالم السلام وقدماه ملوثتان في برك الدم وهو يخرج منها ، فدماغه مع العهد الجديد ، وأطرافه مازالت في العهد القديم ، وعدم تصديق هذا التحول النوعي الجديد يأتي من عدم حضور العالم و ( شهود ) مايحدث فيه ، والكهنة ( الجدد ) للعالم الصناعي يدركون تماماً أن سحرهم قد بطل وأن أصنام القوة لاتضر ولاتنفع ، ولكنهم يحاولون احتكار الامتيازات في العالم الجديد حتى الرمق الأخير . مازلت أتذكر أحداث الشيشان حين هز الدكتور كامل رأسه متألماً على وضع مدينة (جروزني) وهي تتحول إلى أنقاض ويتصاعد منها رائحة البارود وتسقط في بركة دم . وعقبت زوجته قائلة : يحق لهم أن يدافعوا عن أنفسهم ؛ فالروس سمحوا باستقلال الكثير من الجمهوريات فلماذا يحرمون منها الشيشان ؟ إن صورة الدمار والحروب في بؤر التوتر والنزاع تشوش البانوراما ( الصورة الشمولية ) التي رسمناها عن مصير الحرب وزوال المؤسسة العسكرية ، فماذا نقول عن مذابح راوندا والبوسنة ؟ وصراع اذربيجان والأرمن ؟ والحرب الأهلية في الصومال وأفغانستان ؟ بل ماذا نقول أمام شهادة ( ويل ديورانت ) وهو المؤرخ الحجة في التاريخ الذي يقول في آخر كتاب صدر له : (( الحرب أحد ثوابت التاريخ لم تتناقص مع الحضارة والديموقراطية فمن بين السنوات الحادية والعشرين بعد الثلاثة آلاف والاربعمائة سنة الأخيرة ( 3421 ) من التاريخ المسجل لاتوجد سوى ( 268 ) سنة بغير حرب))( 2 ) فعلى حساب ديورانت المذكور يصبح تاريخ الجنس البشري في غاية الظلام والإحباط ، لإنه مع كل دورة ( 14 ) أربع عشرة عاماً في التاريخ تلطخت ( 13 ) ثلاثة عشر عاماً منها بالدم الإنساني وسكت منجل ( عزرائيل ) ملك الموت سنة واحدة فقط ؟! فإذا أخذنا هذه الصورة القاتمة لم تكن الوحيدة من مآسي التاريخ المروعة ، وجعبة التاريخ مليئة من مثل تدمير حضارة الازتيك في المكسيك على النحو الذي رسمه ( تزفيتان تودوروف ) في كتابه ( فتح أمريكا مسألة الآخر ) ( 3 ) حيث كشف النقاب بعد مرور خمس قرون ومن خلال استنطاق نفس النصوص التاريخية للغزاة الاسبان ( المبشر لاس كاساس ) عن إبادة ( 80 ) ثمانين مليون من أصل ( 100 مائة ) مليون نسمة كانوا يعيشون في الأمريكيتين ، تم إبادة معظمهم على يد الاسبان والبرتغاليين . أم ماذا نقول عن حصار قرطاجنة وذبح معظم سكانها على يد الرومان عام 164 قبل الميلاد وحمل ماتبقى منهم عبيداً إلى ساحات المجالدين لتسلية الرومان المتخمين ، أم ماذا نتكلم عن تراجيديا شعب ( الوبيخ ) من شعوب شمال قفقاسيا المجاورة لمنطقة الشيشان الحالية ، الذي لم ينقل إلينا خبره إلا رجل واحد فقط ، سجل النهاية المروعة لذوبان أمة بأكملها في قصة ( آخر الراحلين ) ( 4 ) بحيث تنقل لنا بوضوح مآساة شعوب شمال قفقاسيا في منتصف القرن التاسع عشر ، بنزوحهم عن موطنهم الأصلي وتفرقهم في تركيا والأردن وسوريا ومصر ( 5 ) هذه القصة من قصص التراجيديا التي لاتقترب منها قصص التراجيديا العالمية بشيء ، لاقصة البؤساء أو قصة عاصفة وقلب ( 6 ) لــ ( فيكتور هوجو ) ، لاقصة ماجدولين للمنفلوطي ، أو قصص ديستوفسكي وتولستوي ، لإنها رواية شعب يفنى بكامله فلايبقى حتى من يقص خبر اختفاءه من سطح الأرض ، إنها ليست قصة عاطفية ومأساة فردية ، بل هي مصير أمة ونهاية شعب بالكامل ، إنها قصة يصاب من يقرؤها بالصدمة ولايتركها إلا وقد بكى مرات ومرات .. وروعتها أنها ليست قصة من تأليف الخيال ، بل هي مأساة واقعية حدثت بالفعل ، عن تاريخ الإنسان الوحش وبطشه بأخيه الإنسان .. إلى درجة أن البعض فكر أنه من الأفضل للانسان أن يهرب من المجتمع ويرجع إلى الغابة التي خرج منها مرة أخرى ، فثعابين الغابة ووحوشها أرحم من بطش الانسان وظلمه ... ويروي لنا القرآن قصة فتية الكهف الذين هربوا إلى الجبال ولجأوا إلى الكهوف ، لإنهم توقعوا شر ميتة فيما لو عادوا إلى قومهم ( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ) كله بسبب الخلاف في الرأي ، حتى ضنوا بالكلب أن يعيش في ذلك المجتمع ، فمجتمع من هذا النوع ليس فيه الضمانات حتى للحيوان ؟! ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعبا ) ( 6 ) ولاغرابة في هذا الكلام فالمجتمع الإسلامي لاتموت فيه القطط جوعا والكلاب هرسا بدواليب السيارات ، بل يغفر الله لمن سقى كلباً عطشاناً ودخلت النار امرأة أجاعت قطة حتى الموت . *********************** ولكن صبراً فهذه ليست القصة ولاكامل الجرعة ، فلابد من تملي الصورة جيداً ورؤية التاريخ الإنساني في ضوء جديد ... والسؤال الكبير والمحير والذي اجتهد الفلاسفة والمفكرون في تحليله هو لماذا الحرب ؟ كيف يقتل الإنسان أخيه الإنسان ؟ كيف نشأت الحرب وتطورت ؟ أين نشأت وماهي ظروف تكوينها الجنينية ؟ وماهي جذور العنف والحرب عموماً ؟ ثم إلى أين وصلت اليوم ؟ وماهو مصيرها في المستقبل ؟ ************************** إن الحرب هي التجلي الأعظم لإلغاء الإنسان أخيه الإنسان ، فعندما يختلف اثنان هناك طريقان لاثالث لهما لحل المشكلة القائمة بينهما ، إما محاولة التفاهم بحيث يغير الآخر موقفه من تلقاء نفسه وبقناعته الخاصة ، وإما باستخدام أساليب ( الاكراه ) للآخر بصور شتى لاتنتهي ، فالعنف يبدأ من الكلمة وينتهي بالرصاصة ، وأشكال السلوك العنيفة لاتنتهي من رفع الصوت وحدة النظر والتوتر والانفعال والتآمر والكراهية والغضب والحقد والخبث والضرب والأذية ، وتتوج في النهاية بالإلغاء الكامل والتصفية الجسدية ، فالحرب هي الصورة النهائية والتجلي الختامي لحذف الآخر الذي لانعترف بوجوده ، نحذفه من الوجود بالسكين والمسدس والقذيفة والسلاح النووي والكيمياوي؟! فهذه هي فلسفة الحرب وجذر العدوان . *********************** الحرب قديمة قدم الإنسان والحضارة ، وتشكلت كخطأ ( كروموسومي ) مع بداية تشكل المجتمع الإنساني ، فمع الحضارة ولدت الدولة ونشأت المؤسسة العسكرية الذكورية ، ومع ولادة التخصصات في المجتمع وتطور التقانة نبتت العلوم العسكرية والتكنولوجيا الحربية ، وبتعانق هذا الثالوث المشؤوم ( المؤسسة + العلوم + التكنولوجيا ) ولدت الحرب من رحم العنف ؛ صغيرة ضعيفة لتكبر وتنمو بأشد من السرطان والغيلان ، بل إن مجتمعات بكاملها تحولت لفترة طويلة أو قصيرة إلى مجتمعات عسكرية بالكامل كما حدث مع مجتمع ( اسبرطة ) القديم والذي أصبح مضرب مثل السوء ، مقابل مجتمع ( أثينا ) مركز العلم والفلسفة والفنون . ومع تطور آلة الحرب وعلوم استخدامها ، وضخامة المؤسسة العسكرية واستفحالها وتغول الدولة ، تفجرت الحروب والصدامات كتحصيل حاصل وكنتيجة حتمية ، وكلها تحت ستار ( الدفاع ) عن النفس المشروع ، أو أن الهجوم هو خير وسيلة للدفاع ، وبآلية الاستعداد المزدوج للدفاع يتشكل برميل البارود الذي لايحتاج لأكثر من عود ثقاب كي يتفجر ، فكانت الحرب كما وصفها ( غاستون بوتول ) بنت الحضارة وقاتلتها بنفس الوقت ( 7 ) فالحروب قررت مصير العديد من الدول والامبراطوريات فارتفعت لتسقط بعد حين وبنفس الآلية . ************************ ومرت دورات الحرب لتفرز أسلحة جديدة تنفع سواء في الصدم أو الوقاية أو الحركة ، وهكذا طور الآشوريون العربة الحربية ، واستخدم هانيبال الفيلة ، وطور الاسكندر نظام الفالانكس ببراعة ، واستخدم الرومان نظام اللجيون بدقة وتفوق ، وفتح الاتراك القسطنطينية بالمدفع الجبار ، وحول كل من جنكيزخان وهتلر جيوشه إلى فرق محمولة سواء بالخيالة أو البانزر ( الدبابات ) ، ومع دخول النيران سقطت القلاع والحصون ، وبتطوير المدفع الرشاش هزم الانكليز دولة التعايشي خليفة المهدي في السودان ، كما حصد الرشاش أرواح مايزيد عن ستين ألفاً من خيرة الجنود البريطانيين في الحرب العالمية الأولى وفي 12 ساعة فقط ( معركة السوم ) ، ثم حصل التحول النوعي عندما انتشر الفطر النووي فوق سماء هيروشيما معلناً وصول الإنسان إلى سقف القوة ، ممتلكاً هذه المرة سلاحاً ليس كالأسلحة ، فهذه المرة وضع يده ودفعة واحدة على الوقود النووي وأصبح مصير الجنس البشري برمته مهددا بالفناء ، فمع تطوير الجيل الثاني من السلاح النووي ( القنابل الحرارية النووية الالتحامية من عيار الميجاطن ) أصبح بالإمكان مسح عاصمة دولة عظمى تضم 20 مليون نسمة ؟؟؟!! وتحويل سطح الأرض في النهاية إلى مايشبه سطح القمر بدون شجر أو مدر ، وتحويل الكرة الأرضية إلى جمهورية من الأعشاب والصراصير والعقارب ربما ؟! . ********************* تعتبر الحرب حسب تعريف المعهد الفرنسي لعلم الحرب أنها كارثة ذات ( 18 ) ثماني عشر وجه فهي : (( هيمنة وتأكيد مبدأ المانوية وعدم الاعتراف بالغير بل وإنكار وجوده واندلاع العنف وغياب الحق والمخاطرة بحياة الإنسان وتدمير الثروات المتنوعة وتكريس جميع النشاطات للمجابهات الدموية وأفضلية اللامعقول على المعقول والمطلق على النسبي في إطار عقلي شمولي ومبدأ الغاية تبرر الوسيلة والفوضى واشتداد الأزمات والدم والعرق والدموع واللقاء الحتمي مع الموت وانقطاع أحمق يبرهن على فشل العقل والقلب )) ( 8 ) . مع كل صورة ( التنين ) ذو الألسنة النارية الثمانية عشر هذه كما تتكلم الأساطير ، فإن الإنسان يخطط لها ويبرمج ، ويسعى لها ويحفد ، يتدرب ويستعد ، فالثكنات العسكرية كلها للتدريب على قتل الإنسان أخيه الإنسان ، والأسلحة المرهفة الثاقبة والمفجرة قد أعدت بعناية فائقة لنسف الإنسان وتقطيعه ؟؟!! ******************** لعل أخطر مرضين أصيب بهما الجنس البشري هما ( الرق ) و ( الحرب ) فالحرب كانت تفرز الرقيق ، والرق كان ( الآلة القديمة ) فعضلات الإنسان كانت هي الآلة المستخدمة في حرث الأرض وحصد المحاصيل وتربية الحيوان والنقل وماشابه ، وبدخول الإنسان عالم الصناعة كان إلغاء الرق محصلة طبيعية ، فلولم يُلغ الرق قانوناً لألغته الآلة عملياً ، فاختراع الإنسان الآلة وفر الجهد البشري ، فكان تحرير الرق تابعاً لهذا التطور النوعي ، وبنفس هذه الآلية يزحف الإنسان ببطء إلى إلغاء المرض الثاني ( الحرب ) وكل توابعها وتأثيراتها على الإدارة والعلوم والفنون . وهذا التطور الجديد يحتاج بالتالي إلى فكر جديد فلم تعد أوعية الفكر وأساليبها العتيقة مناسبة للعصر النووي ، فلابد من استراتيجية فكرية مناسبة للتطور العلمي الجديد . يقول غورباتشوف (( الحرب النووية لايمكن أن تكون وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وإيديولوجية أو أي أهداف أخرى وتكتسب هذه الخلاصة في الحقيقة طابعاً ثورياً كونها تعني قطعاً نهائياً مع التصورات التقليدية حول الحرب والسلام ، فالوظيفة السياسية للحرب كان تبريرها عقلانياً أما الحرب النووية فهي عقيمة وغير عقلانية ففي النزاع النووي لن يكون هناك رابحون وخاسرون لإن الحضارة العالمية سوف تفنى فالنزاع النووي ليس حرباً بالمفهوم التقليدي بل هو انتحار )) ( 9 ) وانتبه الرئيس الأمريكي ( آيزنهاور ) إلى هذا التحول النوعي منذ عام 1956 م فأشار إلى أن الخيار المفتوح أمام الجنس البشري هو بين الموت والحوار وبأن عصر التسلح قد ولى ؟! ( 10 ) ************************* وإذا كان العالم قد وصل إلى هذه المرحلة في ضوء هذه البانوراما فلماذا تحدث الحروب التقليدية هنا وهناك في البوسنة وراوندا ، في اذربيجان والشيشان ؟؟ سألت زوجة الدكتور كامل بشغف لتسمع الإجابة فكل الشرح السابق لم يعطها برد اليقين . إن هذا يتطلب إلقاء الضوء في زاوية جديدة مختلفة عن المسار الذي شرحناه وقدمناه . وهي تشمل الباقة الزهرية الفكرية التالية من حديقة الفكر : ( 1 ) تقول الفكرة الأولى : إن العالم الذي نعيش فيه قد تحول إلى شريحتين متميزتين ، الشريحة الأولى مضت في الشوط حتى منتهاه ، وطورت كل الأسلحة التي تخطر على البال ولاتخطر ، فوصلت إلى هذه الحقيقة التي قررها الرئيس الأمريكي ( آيزنهاور ) أي أنه لاسبيل إلى حل المشاكل عن طريق القوة المسلحة ، وفض النزاعات عن طريق الحروب ، ولذا توقفت عن استعمال القوة فيما بين بعضها بعضاً ، وهكذا اقتربت فرنسا وألمانيا مع كل العداوات التاريخية القديمة ، وتشكلت الوحدة الأوربية التي يزداد أعضاؤها كل يوم ، بحيث تتحول البحيرة الأوربية مع كل يوم إلى بحيرة سلام ، وأرض تفيض عسلاً ولبناً . والشريحة الثانية التي لم تدرك طبيعة التحول النوعي الذي دخله العالم بتطليق القوة ثلاثاً لارجعة فيها ، فهو وإن كان يعيش بيولوجياً في نهاية القرن العشرين ولكنه مازال يعيش عقلياً في القرن التاسع عشر ، فهي شريحة منتسبة إلى العهد العتيق ؛ عصر الغابة والهراوة والسيف والترس وامتداداتها من سبطانة المدفع أو التلمظ لـ ( صنم ) السامري الجديد ، سلاح شمشون الجبار ، القنبلة النووية ، التي يفككها من بدأ بصناعتها ، ويندم على مليارات الدولارات التي أنفقها في إنتاجها ، ويعلم علم اليقين أنها سلاحاً ليس للاستخدام ، فهي صنم السامري الذي له خوار ( فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار ) ولكنه لايضر ولاينفع ولايملك موتا ولاحياة ولانشورا ، ولو كان للاستعمال لاستخدمته أمريكا في أشد الظروف حلكة ً ، في حرب فيتنام وكوريا وسواه . ( 2 ) وتقول الفكرة الثانية : إن عيوننا ترى العجيب والمتناقض الآن فهناك تياران في العالم ، الأول يرمي بالسلاح ويتخلص منه ، بعد أن شعر أنه صنم لايضر ولاينفع ، وبدأ يكتشف أن أعظم سلاح هو الانسان الجديد المسلح بالعلم والسلم ، فهما الجناحان اللذان سوف يطير بهما إلى عالم المستقبل ، وتيار يكدس السلاح ويشتريه الليل والنهار ، بل والمضحك أكثر ، أن الفريق الأول يفكك السلاح الاستراتيجي فلايبيعه ، ويبيع السلاح السخيف ، فيقبض عليه أموالا ً وفيرة ، وهكذا أنفق العالم العربي في تكديس السلاح السخيف ودفع ( مليون مليون = تريليون ) دولار في مدى العشرين سنة المنصرمة ومازال ، كل ذلك بسبب هذه العمى التاريخي عن المتحولات الخطيرة في صيرورة التاريخ ووقع أحداثه . ( 3 ) وتقول الفكرة الثالثة : إن هذه اللعبة العجائبية والمسلية ، يدركها أساطين السياسة ، ودهاة التخطيط الاستراتيجي في العالم الغربي علم اليقين ، ولكنهم يحاولون المحافظة على هذا الوضع إلى أبعد مدى وأكبر وقت ممكن ، لقناعتهم الراسخة أنه في الوقت الذي يبطل فيه سحرهم سيخسرون امتيازاتهم ، ويتراجع مركزهم في العالم ، ليزيحوا المكان لقوى عالمية جديدة . ولذلك فإنهم يحافظون بل ويشعلون الحروب هنا وهناك ، لقناعتهم الكاملة أنها كلها حرائق مسيطر عليها وأماكن تجربة لحصر القوى الجديدة أن تبقى بعيداً عن الفهم الجديد ، ولذا فكل الحروب التي تشتعل هنا وهناك ، يجب أن نعلم أنها ليست تحت سيطرتنا ، بل تحت سيطرتهم ، وحتى عندما نبدأها فنهايتها ومصيرها ليست بأيدينا بل بأيديهم ، فهم ينصرون من يرون أن من مصلحتهم نصره ، ويخذلون من يرون في خذلانه فائدة لهم ، وإذا أرادوا أن يمدوا في حرب قرابة عقد من السنين لتصبح أطول من الحرب العالمية الثانية فلا حرج ، كي تجري فيها جنباً إلى جنب مصالحهم ودماء الآخرين ، واللعبة هي بين خبث الذكي وبلادة الغبي ، ولكن الملام الأكبر هو نحن المغفلين ، وتجربة البوسنة التي تمثل ( حي أوربي ) داخل أوربا لاتخرج عن هذه اللعبة المقيتة ، التي آخر ماينظر فيها مقياس العدل والحق ، وهذا واقع يجب أن نتعامل معه . ( 4 ) وتقول الفكرة الرابعة : طالما هم الذين ( يدركون ) و ( يستطيعون ) فلماذا لايطفؤون الحرائق ، أو لايشعلونها على الأقل ، وجواب هذا هو أن العالم الذي نعيش فيه كما وصفه المؤرخ البريطاني توينبي يعيش حالة فراق بين العلم والقيم ، فالعلم شق الطريق إلى السلم ، كما فعلت التكنولوجيا الجديدة من ربط الناس وسرعة الاتصال وتطوير الأجهزة ، ولكن الذي حصل هو أن السياسيين مازالوا لم يقفزوا نفس القفزة النوعية التي قفزها العلم ، فهم مازالوا يريدون وضع الطاقة الجديدة في القربة القديمة ، ولكن وضع ( الغاز ) في ( قربة جلد) تنتهي بتعفن الجو وكارثة تفجير ، كما هي في حروب السياسيين التي لاتنتهي ، ومايحتاجونه هو أوعية فكرية جديدة من النوع الذي أشار إليه غورباتشوف ، فمسلمة ( كلاوسفيتز ) القديمة في فن الحرب ، من أن الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل جدبدة ، قد طواها الزمن وأكلها العث ، ولكنها مازالت حية في أذهان الكثيرين الذين لم يعوا التحول الجديد . ومن هنا فإن المفكرين والفلاسفة يسبقون عصرهم ويتركون آثاراً بعيدة ، فلايظهر أثرهم إلا قليلاً في عصرهم الذي عاشوه ، فابن رشد مازال يعيش في ذاكرة التاريخ في الحين الذي لانذكر الحاكم أو الدولة التي كان يعيش فيها . إذا استطعنا أن نفهم هذه القضايا البسيطة والمصيرية فيمكن أن نصل إلى حل مشاكلنا بسهولة ، من توديع العالم القديم ، عالم الحرب والسلاح ، وأن دخولنا إلى دائرة النار تجعلنا تحت سيطرة الذي يفهم اللعبة ويحولنا فيها إلى مسخَّرات ( بالفتح ) تحت رحمته ، وسنبقى ندفع فواتير الدم والدموع وحفلات التهجير الجماعي وهدم المدن فوق رؤوس الناس بأيدينا وأيديهم كما وصف القرآن اليهود ( يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا ياأولي الأبصار ) . يقول المثل ( الله يطعمك حجة والناس راجعة ) عن الرجل الذي أراد أن يذهب إلى الحج ، عندما قفل الناس عائدين إلى بيوتهم ، فإن أبينا الا سلوك طريق القوة ونحن نرى الناس تعود منه منجفلة مذعورة ، تنفض عن كاهلها الغبار الذري وهي لاتصدق أنها مازالت على قيد الحياة فسوف نكون أحمق من هبنقة وأشعب معاً . مراجع وهوامش : ( 1 ) تأمل الحوار بين الله ( جل جلاله ) والملائكة في سورة البقرة ، فالإنسان في نظر الملائكة متهم بأنه مجرم ومخرب (( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء )) في حين رأى الله تعالى فيه كائناً آخر (( إني أعلم مالاتعلمون )) ( 2 ) دروس التاريخ - ول واريل ديورانت - ترجمة علي شلش - دار فكر ص 155 ( 3 ) فتح أمريكا مسألة الآخر - تزفيتان تودوروف - سينا للنشر - ترجمة بشير السباعي - ص 143 ( 4 ) آخر الراحلين - رواية قفقاسية _ باغرات شينكوبا - ترجمة ونشر محي الدين سليق ( 5 ) تتناثر قرى ( الشراكسة ) في المناطق المذكورة وهي بقايا الهجرات المروعة لشعوب شمال قفقاسيا ولذا فإن الصراع الحالي في الشيشان هو استمرار القصة الأليمة السابقة ( 6 ) الكهف الآية رقم 18 ( 7 ) راجع كتاب الحروب والحضارات - المعهد الفرنسي لعلم الحرب - ترجمة أحمد عبد الكريم ( 8 ) المصدر السابق ص 28 ( 9 ) بيروستريكا - غورباتشوف - دار الفارابي - ص 199 ( 10 ) كتاب مصير كوكب الأرض في الحرب النووية - جوناثان شيل - ترجمة موسى الزعبي - مكتب الخدمات الطباعية دمشق ص 14 (( يجب على الطرفين المهتمين بالحرب أن يجلسا في يوم ما على طاولة المفاوضات وهما مقتنعان بأن عصر التسلح قد انتهى وبأنه يتوجب على البشر الخضوع لهذه الحقيقة أو اختيار الموت ))
اقرأ المزيد
حقوق النشر محفوظة ، خالص جلبي 2024  
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram